سجّل، أو الفن العربي من جديد

بقلم الدكتورة ندى الشبُّوط

ترجمة فيفيان حمزة

المشاركة مع صديق

تاريخ النشر: 20 أغسطس 2014، [تمت المراجعة في مارس 2026]

لا بدّ من الإقرار بأن ذكر كلمة "عربي" اليوم يحمل كماً هائلاً من الدلالات. فتبعاً للوسط المتلقي، قد يكون له صدى إيجابي أو سلبي، كما أنه يوحي بمعان مختلفة. لذا فإن إعادة إحياء هذه الكلمة على مستوى مؤسساتي من هذا النوع لا يخلو ولا يجب التقليل من وقعه. وفي رأيي المتواضع، حان الوقت مع ذلك للإفصاح والمواجهة وإعادة تقييم هذه الكلمة بدلاً من التنصل من الموضوع أو تجاهله ببساطة.

أولاً وقبل كل شيء، لابد من تقديم إيضاح هام وتأكيده. لم يوضع مبدأ إقامة معرض "سجل: قرن من الفن الحديث" على أساس فرضية أن هناك تجربة عربية وحيدة أو موحّدة يمكن تمثيلها في معرض واحد. بل على العكس، يقبل هذا المبدأ تعدد التجارب، لكنه يدرك اللحظات المشتركة والمتعددة التي تبرر وجود هوية مشتركة صُوّرت وشيدت بنفس الطريقة التي تُشيد فيها كافة الهويات بصورة حتمية. وينقل الفن، المنتج كرد على ظروف تاريخية وسياسية معينة، بما فيها تقاسم مشاعر معاداة الاستعمار والعروبة، دوافع مماثلة.

هل يعني عنوان هذا المعرض مع ذلك أن هناك تحبيذاً للسياسة التي تستند على الهوية؟ وأتصوّر أن السؤال الأكثر تعبيراً عن هذا الموضوع يجب أن يكون: وهل هناك مهرب سواء من الهوية أو من السياسة في أي مكان في العالم، وعلى الأخص فيما يدعى بمنطقة الشرق الأوسط؟ أودّ أن أقول إنه ليس فقط لا وجود لمهرب من هذا المفهوم، بل إن معاودة ظهور هذا النوع من القلق بشدة من جديد واضح بجلاء في أيامنا هذه. علاوة على ذلك ورغم المقولات التي تدعي الخوف من التعاريف الجاهزة كما مما يبدو كأنه هويات ثابتة، لا يزال مصطلح "عربي" يتردد بصورة مستمرة على المستويين السياسي والثقافي. وحتى أولئك الذين يرفضون دلالاته الأيديولوجية القومية السياسية "على النحو الناصري"، يعانون من الازدواجية تجاه استخدامه في وسائل الإعلام بصورة متكررة ودونما تمييز (وعشوائية). فالعروبة بسبب طابعها الشامل والكوني، كلمة مألوفة ومطمئنة بقدر ما قد تبدو مهددة ومستهجنة نسبة إلى النظريات المعاصرة في شروط ما بعد الحداثة. يرفض معظم الفنانين المعاصرين من العالم العربي، أي فناني الهجرة المعولين، تعبير "العربي" لأنهم مقتنعون أنهم ينتمون إلى عالم شمولي يقبلهم كفنانين ولا تعتبر فيه الهوية عاملاً مميّزاً. لذا تبنوا الادعاء القائل بأن نظرية ما بعد الحداثة باشرت عملية مصالحة شاملة أتاحتها العولمة. السؤال هنا لا يتعلق بصحة هذا الادعاء، حيث إن هناك حججاً صالحة للاستخدام في كلا وجهتي النظر، بل يتعلق بالاستعداد لقبول مفهوم وهمي كهذا دون إعادة البحث في مشروع الحداثة وفقاً لذلك. هل لأن هذا الادعاء هو ما يمليه علينا مركز السلطة المهيمنة، أي الغرب؟ وبالتالي، هل يجب رفض اعتقاد فناني العرب في القرن العشرين بأنهم كانوا يشاركون في تحقيق مشروع الحداثة الأممي والمتعدد الأصول الثقافية، لأنه لم يكن مقبولاً حينذاك ولم يكن مصادقاً عليه من قبل القوى الأوروبية؟

يبدو أن الفجوة بين الأجيال، التي أملتها في أغلب الظن السياسات الرسمية وما يدعى بسياسات العولمة والتي يجري تقسيم الفنانين العرب على أساسها إلى فناني الحداثة وفناني ما بعد الحداثة، لا زالت تتمحور حول الشعور القومي."1 ويشعر فنانو الجيل السابق، أي جيل منتصف القرن العشرين من "القوميين"، بالحيرة أمام نبذ القومية من قبل الجيل اللاحق من الفنانين الشبان، وخاصة جيل أواخر القرن العشرين. مع أنه في المحصلة لم تكن النزعة القومية في أوساطهم سوى مفهوماً سياسياً فرضته عليهم الظروف التاريخية السائدة في الفترات السابقة. حيث إن إصرارهم على شكل تقييدي للعروبة، والذي عزلهم عن الساحة الدولية اليوم، هو في الواقع نمط من ردود الفعل بسبب فقدان الأجيال الجديدة لهذه النزعة. وتشكل موجة التعصب الوطني القومي في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول نموذجاً مماثلاً وجديراً بالتفحص.

إحدى القضايا التي تدعي دينامية العولمة أنها استطاعت حلّها، وهي تزيد التباعد بين الجيلين، هي نظرية الصراع بين عالمين متناقضين: الشرق والغرب. يشعر الفنانون المعاصرون على الأرجح بالارتياح في كلا الجهتين حيث إنهم على تجوال متواصل بينهما. كما يقال إنهم لا يشعرون بالتمزق بين عالمين كما كانت حال فناني فترة الحداثة، بل يمدون الجسور بينهما. هل يفترض ادعاء كهذا مع ذلك أن الفنانين المعاصرين قادرون على فهم المقولة الشعبية حول "صراع الحضارات" التي يبدو أن معظم السياسات العالمية والسياسيين في العالم، بما في ذلك في مجال الفنون، يعملون على أساسها والتي تتماشى معها المعارض الحالية حول العالم العربي / الإسلامي؟ يبرر هذا الافتراض بالتأكيد اعتبارهم من قبل معظم القيّمين على المعارض "سفراء" بلدانهم الأصلية لدى تلك التي تستضيفهم. ومع أن وسائل الإعلام والقيّمين على المعارض يستمرون بتسييس الفن المعاصر المنتج على أيدي فنانين من أصول عربية، يبقى الفن العربي الحديث مرفوضاً بسبب تسييسه. أصبحنا كمؤرخين للحداثة غارقين تحت سيول السياسات المتحورة حول الهوية في عالم الفنون، وخشينا أن يطغى هذا الخطاب على الفنون. فقد كانت الحداثة بالنسبة لنا بالمحصلة تعتبر هوية تلك الفترة، فهي كانت حتماً دعوة إلى الوحدة العالمية في الواجهة إلى أن أصبحت فيما بعد الإشكالية القومية هي المشكلة، خاصة عندما وفّرت فترة ما بعد الاستعمار على ما يبدو، للآخر – المستعمر– المهمّش تاريخياً صوتاً انفرادياً. أصبحت القومية العربية كنتيجة لذلك دافعاً مركزياً باعتبارها الهوية المميّزة لهذه المنطقة. ومع أن جذورها هي بالطبع سياسية، علينا ألا ننسى أن العروبة بنيت على أساس ثقافي ولم تنتصر إلاّ في هذا المضمار.

tbc

محمود مختار، على ضفاف النيل، 1930، برونز، 220.5 × 50 × 45 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

هل أصبحت السياسات المستندة إلى الهوية بالتالي رادعاً لفهم الجماليات؟ في النهاية لعبت سياسة بناء القوميات والأيديولوجية دوراً كبيراً خلال معظم سنوات القرن العشرين في كل ما تمّ بناؤه في فترة ما بعد الاستعمار، ولا ينطبق ذلك على العالم العربي وحده. وأقول بناء عليه إنه حان الوقت لإعادة تقييم دور الهوية في الفنون من منظور عالمي بدل الاستمرار في تهميش هوية الفن العربي.

من الواضح أن سياسات القرن العشرين لم تسمح للفنانين بالتسامي على السياسات المستندة إلى الهوية، والفنانون العرب كانوا بحاجة كبشر إلى تأكيد كيانهم ككيان متساو مع باقي الكيانات، وكان ذلك يبدو مستحيلاً إلا من خلال إبراز هوية مميّزة. من المسلّم به أن مشاريع بناء القوميات فرضت مفهوماً شوفينياً على فكرة الهوية، لكن لا بد لنا من الإقرار بأن هذه الشوفينية يبدو أنها استحوذت على كافة الثقافات في عصرنا الحالي. هل تخلّص الفنانون المعاصرون من ذلك العبء؟ هل ادعاء فنان ما بأنه لبناني هو فوق مفهوم سياسات الهوية؟ أم هي مسألة أصالة؟ أليس المجتمع "اللبناني" كذلك مجتمعاً مصطنعاً مقبولاً جيداً اليوم تبعاً لمفهوم الدولة القومية الحديث؟ "2

الفن العربي اليوم

خلال العقد الماضي، نال في النهاية الفن العربي المزيد من الاهتمام ولو بصورة متأخرة. وقد استفاد بالتأكيد الفن العربي الحديث من الضجة الإعلامية في هذا الحقل من خلال المعارض، في كافة أنحاء العالم، التي تسعى إلى بناء الجسور مع ثقافات العالمين العربي والإسلامي /أو شرح خصائصهما، إضافة إلى القيمة المتزايدة حالياً في السوق، بالتزاوج مع التضخم الفجائي في المنشورات حول هذا الموضوع. ومع إحراز بعض التقدم في الحديث عن حالة تغييب العالم العربي من الذاكرة التاريخية، فمن الغريب كم يكون هذا التغييب أوضح في مجال الفنون المعاصرة عندما لا توضع في سياقها التاريخي. علاوة على ذلك، من المثير للاهتمام بشكل خاص كيف أن الخلط التاريخي بين العالمين العربي والإسلامي قد عاد إلى السطح، إنما هذه المرة بصورة تستحق نظرة جديدة نظراً للخطاب المنتشر حديثاً في كافة مدن الخليج وفي سياسات بلدانه.

في عدد خاص من مجلة "Arab Studies Journal" بعنوان "الفنون البصرية والممارسات الفنية في الشرق الأوسط"، شدد المشرفون على العدد "التحوّلات الهائلة في المشاهد الفنية في الشرق الأوسط"3. وعددوا من ضمن هذه التحولات تلك الإقليمية الناتجة عن مبادرات جديدة غير رسمية، والعالمية التي تبعت أحداث 11 أيلول، وحديثاً تلك التي تعود إلى المبادرات الفنية في الخليج العربي، بما فيها مشروع "متحف". أشاروا بشكل صحيح إلى أن هذه التغييرات أدت إلى نشوء اهتمام جديد موجه بمعظمه نحو الإنتاج الغني المعاصر. والأهم من ذلك هو الفهم أنه بحكم أسبابه، هذا الاهتمام مشروط إلى حد كبير. ويعني ذلك: أنه يعود إلى عوامل لا تستند إلى الجماليات، بل هي تحديداً سياسية.

كما ذكرت سابقاً، لا مفر من السياسة! وينطبق هذا البرهان بشكل خاص على الفن المعاصر المسمى بالفن المُعَولم. إنه الفن الذي يبدو متشابهاً في كافة أنحاء العالم؛ وهي ظاهرة بدأت خلال التسعينيات مع تكثف خطاب الشتات. من ناحية أخرى، لا يحمل مثلاً فن الخمسينيات والستينيات السِّمات نفسها في كل من نيويورك وبغداد وتعود الفوارق إلى المسافات الفاصلة جغرافياً وزمنياً. وكما قال مؤرخ الفنون والمدرّس والقيّم الفني إنويزور، لماذا يحب أن يكون هناك آندي وارهول في صين ماو تسي تونغ، بينما لا يوجد في الصين المجتمع الاستهلاكي أو البنية الرأسمالية اللذين كانا أساس ردّ فعل وارهول. "4

tbc

داود قرم، البطيخ، 1899، ألوان زيتية على قماش،60.1 × 73.2 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

tbc

شاكر حسن السعيد، وعاء الحروف، 1967، أكريليك وألوان مائية على ورق، 46.6 × 55.6 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

tbc

عبد القادر الرسام، منظر لنهر دجلة، 1920، ألوان زيتية على قماش، 66.5 × 96.5 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

tbc

محمود سعيد، العائلة (رسم تخطيطي)، 1938، ألوان زيتية على لوح، 34.5 × 56 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

tbc

جواد سليم، بغداديّات، 1956، وسائط مختلفة على لوح خشبي صلب، 145 × 211.2 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

مراجعة الحداثة

وحّدت الحداثة أوروبا من خلال رغبتها بانطلاقة جديدة لا يثقلها التاريخ ولا الموروثات ولا الدين. يجب أن تكون الحداثة علمانية وتبحث بما هو جديد. وحّدت كذلك الحداثة الفنانين العرب من خلال رغبتهم باستعادة تراثهم الذي، رغم عدم غيابه كجزء من الثقافة الموروثة التي يعيشونها، كان من الصعب استيعابه من الناحية المعرفية. قادتهم جهودهم الفردية في فك رموز هذا التراث إلى لغة تاريخية مشتركة مألوفة في كافة بقاع المنطقة. وفي المحصلة، نجد البرهان على العروبة الثقافية في هذه القواسم ما بعد القومية المشتركة في الفترة ما بعد القومية، رغم اختلاف اللهجات المحلية والتأثيرات الاستعمارية، وليس في السياسة.

لذا، أليس قبولنا بأن هناك حداثة واحدة وهي غربية يجعلنا نعتبر أنه يجب تجاهل التطورات الحاصلة في أجزاء العالم الأخرى؟ "5 في محاولة لإيجاد طريقة للفرار من هذا التجاهل لباقي أنحاء العالم الآخر، الناجم عن نظرة وحيدة الجانب وأوروبية مركزية، ظهرت نظريات متعددة من أجل حداثة بديلة وموازية وأخيراً متعددة المراكز "6. ويعتبر العديد من الباحثين أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد وما يزال مستمراً اليوم ."7 وبناء عليه، فهي حتى الآن ليست شيئاً من الماضي ولا حتى العروبة كذلك. يجب أن يكون السؤال بالتالي هو: كيف يمكننا تدعيم غياب الآخر من تاريخ الحداثة مع إعادة ظهور فيما بعدها، خاصة إذا بقيت الحداثة هي المسيطرة.

في بيانه حول "الحداثة المغايرة"، يدافع نيكولا بوريو عن عصر جديد من الحداثة الناشئة اليوم المستندة بشكل واسع إلى التهجين. ويعلن: "إذا كانت حداثة القرن العشرين ظاهرة ثقافية غربية قبل كل شيء، فالحداثة المغايرة تنبع من التفاوضات الكونية ومن الحوار بين عناصر من مختلف الثقافات. بتجريدها من مركز، لا يمكنها أن تكون سوى متعددة اللغات. تتميّز "الحداثة المغايرة" بالترجمة، على عكس حداثة القرن العشرين التي كانت تتكلم بلغة تجريدية مصدرها الغرب المستعمر، وبخلاف تيار ما بعد الحداثة الذي سجن الظواهر الفنية ضمن مفهومي الأصول والهويات. "8 ألا يمكننا للمفرقة، تطبيق العديد من النقاط، إن لم يكن جميعها، التي طرحها بوريو في بيانه على الحداثة العربية في القرن العشرين؟

عولمة الحداثة العربية

يذكّر مفهوم الحداثة متعددة اللغات واللامركزية بنظريات الشمولية الثقافية يقبل الفن الشمولي نظرياً فهما تحاورياً (dialogical) للعولمة؛ فهو خطاب لا مركزي يدعو للحوار الثقافي ضمن البلدان وخارجها. نجمت فكرة طبيعة المعرفة التحاورية هذه كما هي مقبولة اليوم من جهود تيارات ما بعد الحداثة لتصحيح استبدادية الحداثة أحادية الجانب. "9 لذا أقترح هنا فكرة أن التحاورية التي يحتفي بها اليوم في الفن العالمي كانت موجودة في فترة الحداثة مع أنها لم تكن مقبولة أو معترفاً بها من قبل سلطات ذلك العصر.

تناولتُ المبدأ الذي اعتمد في تنظيم معرض "سجّل" بشكل تفصيلي في نقاش طوّرته لفترة من الزمن في مقالة كتبتها لمعرض"مستقبل التراث – تراث المستقبل" حيث عرضت فكرة إعادة قراءة (أو بناء) الحداثة في دول الهامش ضمن سياق العولمة. "10 الهدف هو تطبيق استعادي لمختلف المبادرات التي تجري اليوم في الفن المعاصر ولتوسيع منهجيات ما بعد الحداثة نفسها التي نستخدمها الآن لفهم الإنتاج المعاصر إلى الفن العربي الحديث. وأنا أقترح إخراج الفن العربي من قوقعة سياسات الهوية المحتجز بداخلها ولكن دون إنكار تأثيرها على تشكّله. في رأيي، هذا النهج أكثر فائدة من الدعوة إلى تصحيح الخطأ بمنأى (حياد) كامل عن التاريخ، الذي يبدو أنه في معظم الأحيان ما يفسر الاحتفاء بالفن المعاصر من منطقة الشرق الأوسط وكأنه ظاهرة جديدة وفجائية. بناءً على ذلك، يفتح هذا المعرض فضاءً للإفصاح والمواجهة والتساؤل حول استمرارية المنطقة التاريخية، من بين إشكاليات أخرى، وماذا كان يعني (أو يعني اليوم) أن تكون فناناً عربياً وكيف كان يعبر بصرياً في الماضي (وحالياً) عن هذا المعنى وعلى مستوى أكثر دنيوية يعالج هذا المعرض إشكالية كيفية تناول الفن العربي بصورة منهجية وعملية.

بعبارات أوضح، وبالغة الأهمية، يلقي المعرض الضوء على قصة الفن العربي الحديث باعتباره تشكّل بصورة استدلالية بالمعنى الذي يستخدمه فوكو بحيث تكون اللااستمرارية والقطيعة جزءاً من الخطاب. "11 يعمل المبدأ الذي يقترحه هذا النمط من السرد ضمن شرطين. أحدهما يقرّ بأن فضاء الإنتاج البصري العربي الحديث هو شرعي وعلى قدم المساواة مع الإنتاج في باقي أنحاء العالم وهو ليس "الآخر". وثانيهما يعترف باستمرارية فضاء الإنتاج بين الحداثة وما بعدها، مما ينفي بدوره هيمنة التشريع الأوروبي – الأميركي في تاريخ الفن بعقائده وفئاته التي يعتبرها نماذج مثالية.

بالإضافة إلى ذلك، يتسم الرد الذي يقدمه هذا المعرض الافتتاحي لمتحف بكونه غير خطي (أفقي) تاريخياً أو في الإنتاج وبالتالي فهو غير متسلسل زمنياً، كما أنه غير مقسم جغرافياً تبعاً للبلدان أو القوميات. وبدلاً من ذلك، يقترح التاريخ المعقّد والغني بترابطات وتقاطعات ما بعد قومية، والتعاون أحياناً بين الفنانين من مختلف البلدان العربية. والأهم هو أنه يظهر هذا العدد الهائل من التجارب البصرية والتشكيلات والتأكيدات بصفتها مواقع للمقاومة والرفض أكثر من كونها أعمال تقليد للحداثة الأوروبية، كما يُنظر إليها وتُدان شعبياً وتقليدياً. بتعابير أخرى، يقبل هذا العرض السردي أن أعمال الحداثة العربية من القرن العشرين غير منقادة، وكانت تقصد التغيير الثوري. وبشكل ملحوظ، نرى أن بناء القومية "وتأكيدها" هو الموضوع الأساسي الذي يتخلل الكثير من الأعمال المعروضة هنا، لذا فإن إبرازها كان ضرورة لتطوّر المنطقة التاريخي، وطريقة استخدمها الفنانون في مواجهة واقعهم. يجب النظر إلى دور بناء القومية مع ذلك على أنه أكثر من مجرد خطة الدولة الوطنية؛ فهور تطوّر حتمي في مرحلة ما بعد الاستعمار من أجل نشوء ذاتية حديثة. يشكل التعبير عن "الذات" ومساءلتها جزءاً لا يتجزأ من هذه الأعمال الفنية، غير أن هذه "الذات" لا تتمتع بفوقية على الكل كما لا ينظر إليها دون ارتباطها بهذا الكل.

المواضيع المقترحة هنا كوسيلة لتقسيم الأعمال إلى مجموعات من أجل تبسيط عملية السرد هي مواضيع مألوفة إلى حد بعيد في السرود الأخرى للفن العربي، لكنها أيضاً خاصة جداً بهذه المجموعة، فقد تمّ وضع وتحديد مواضيع المجموعات بالاستناد إلى الأعمال نفسها بدلاً من إدراجها في فئات محددة سلفاً. مع ذلك، تشير هذه المواضيع إلى فترات تاريخية معينة شكلت إما حافزاً لاختيار موضوع اللوحة أو علامة على تغيّر ما في موضوعات الفن. لذا تشرح هذه المواضيع بالفعل تطور الفن تاريخياً في المنطقة. وتعبر أحياناً بشكل غير مقصود عن نوع من التسلسل الزمني الذي يختلف من بلد لآخر تبعاً لاجتماع عوامل مميّزة في مختلف أنحاء المنطقة. والأهم، لا تهدف هذه المواضيع إلى خلق فئات ثابتة أو محددة، بل على العكس، تتداخل كافة المواضيع على الأكثر وتترابط، وبذلك تدحض بشكل خاص التقسيم إلى فئات، مما يعقّد السرد المعروض ويقدم في الوقت ذاته قراءات متعددة للسرد السائد حول تاريخ الفن.

وحيث إنه لا وجود لتاريخ ثابت يحدد بداية أو نهاية السرد المعروض هنا – وبالتالي بداية ونهاية الحداثة العربية – فإن نقطة انطلاقنا هي اللحظة التي تجلت فيها الحداثة على المستوى الفردي في التقنية والإنتاج في مختلف بقاع هذه المنطقة والتي مع اختلاف تواريخها الواضح تعكس عدداً من الأحداث التاريخية يتراوح تاريخ الأعمال بين 1899 بدءاً من لوحة داوود قرم بأسلوب الطبيعة الجامدة ولوحة عبد القادر الرسام التي تصوّر مشهداً على دجلة ولوحة "الأمومة" لجورج صباغ انتهاءً بأعمال منجزة خلال التسعينيات. تتسع بالطبع مجموعة "متحف" لتضم أعمالاً معاصرةً غير أننا قررنا بالإجماع أن نتوقّف عند التسعينيات نظراً للتغيرات الجذرية في ديناميات الإبداع وفي السوق كما في القضايا الاجتماعية التي حصلت بعد ذلك. وهكذا تمتد في واجهة هذا المعرض تواريخ الحداثة العربية لتصل إلى بداية التسعينيات مما يشمل ما يسميه الغرب بأعمال ما بعد الحداثة ليكون ذلك بمثابة إنكار إضافي لتأثيرات النموذج الأوروبي.

تعتبر بعض الأعمال المعروضة بديهية ومتوقعة (فهي أعمال هامة لفنانين مشهورين) لكن البعض الآخر يعود إلى فنانين عرب أقل شهرة ويستحقون إعادة الاعتبار. إضافة إلى ذلك، إحدى المسائل التي واجهتنا هي اختلاف الأولويات المتبعة من قبل الفنانين العرب في التعريف بلوحاتهم. أصبح من المتعارف عليه عامة أن تعرّف الأعمال الفنية من خلال بعض العناصر الملموسة مثل اسم الفنان وعنوان العمل والتاريخ، ولنظام التعريف هذا فائدته في تنسيق المحفوظات ولدى إجراء البحوث حولها غير أن الفنانين العرب لم يتبعوا جميعهم هذا النظام ولم يقتنعوا بأهمية وضع عناوين لأعمالهم بالضرورة. أمام فرضية كهذه، قررنا قبول مبدأ وضع إشارة "العنوان غير معروف" إن لم يتواجد، بصرف النظر عما إذا كانت اللوحة تحمل عنواناً أم لا. إنه قرار اتخذناه كي لا نمتثل للممارسات الغربية ونختلق عناوين وصفية للأعمال مما هو متبع في أغلب الأحيان في سوق الفن. "12

tbc

جورج حنا صباغ، الأمومة العربية، 1920-1921، زيت على قماش، 220 × 155.5 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

تسييس الجماليات

لعبت السياسة دائماً دوراً مركزياً في تحديد وإعادة تحديد الأشكال وفي إملاء المعنى في إنتاج الفنانين العرب البصري، ولا يزال ذلك سارياً حتى يومنا هذا. أتاحت السياسة، على عدة مستويات، وجود فضاء من (الاستمرارية) التواصل في الفن العربي خلال القرنين العشرين والواحد العشرين. مثّل الاستعمار والحروب، ومعظمها صوّرت على مستوى ملحمي في معالجة قضايا الاستقلال والمأساة الفلسطينية، حتى عند تناولها من خلال مواضيع حميمية، موضوعات شغلت معظم فناني الحداثة العرب. من الأمثلة على مواضيع الأعمال التي انتشرت في كافة بقاع المنطقة لفنانين عرب من القرن العشرين هي تلك التي تتناول القضية الفلسطينية وتستند إليها بوصفها عنصراً مركزياً في بناء هويتهم كعرب طوال فترة تاريخ الحداثة العربية. لعبت السياسة دوراً هاماً أيضاً في تغيير علاقة الفنانين بالتقنيات والمواد كما يتضح ذلك من بعض التحوّلات وعلامات الرفض التي تستند إلى مبادىء وأيديولوجيات سياسية. الأمثلة كثيرة في كافة أنحاء المنطقة وتاريخها في القرن العشرين على تأثر طرق التعبير وتغيّرها تبعاً لذلك، ونذكر في هذا الخصوص تجارب المغربي أحمد الشرقاوي خلال الخمسينيات وفريد بلكاهية سنة 1964 وسليمان منصور خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. "13

قيل وكتب الكثير حول تفحص واستجواب الذات في فترة ما بعد هزيمة 1967 وما تبعها من مقولات حول الأزمة الثقافية، وفقدان الأصالة، ودور التراث، إلخ. كان لهذه المقولات بالطبع صدى في الفنون البصرية كذلك. عكس الإنتاج البصري انتقالاً من الصور الرومانسية حول الأمة إلى تعامل أقوى مع النزعة الفردية. تحدّث ألبير ميمي عن فشل المستعمَر، وهو أحد منتجات الاستعمار وضحاياه، في إنهاء الاستعمار (الثقافي أكثر منه المادي) التي يعالجها الفن العربي الحديث.

علينا أن نتذكر دائماً أن الفنان هو قبل كل شيء فنان وهو معنى بشكل رئيسي بالمواد وبالتقنيات والجماليات. وما يعكسه المحتوى هو في المحصلة تعبير يستخدم الأشكال والألوان والوسائط والقيم الفنية بطرق ذاتية وتخيلية معينة.

مع ذلك، طبعت المقاومة الأيديولوجية وحركت معظم التجارب العربية في مجال الجماليات والأشكال، خاصة عندما كانت تصاغ من قبل ومن خلال الجماعات الفنية. "14 أمثلة الفن الذي يقترح المقاومة، التي تكثفت خلال القرن الماضي، ظهرت في حركات عديدة في جميع أنحاء العالم العربي. هناك نموذج واضح منذ البداية على هذه الظاهرة في أسلوب محمود مختار "الفرعوني الجديد". استمر التحدي المتجلي في الأسلوب في أعمال العديد من الفنانين المضادة لأسلوب السرد الاستشراقي، على غرار لوحات محمود سعيد التي تصوّر مناسبات شعبية بأسلوب واقعي منمنم. تطوّر هذا السعي على يد الفنانين العراقيين من "جماعة بغداد للفن الحديث"، وخاصة جواد سليم، من خلال التجريد وتخليص الإنتاج البصري من كلا النزعتين الغرائبية والشرقية في العالم العربي. ومن ظواهر تحدي الفنانين العرب لمعايير الفن الحديث التي حددها الأوروبيون، افتتانهم الدائم بالرموز رغم تعاملهم بلغة تجريدية جديدة. وبالتالي لم يتم بتاتاً التخلي عن الأسلوب السردي في الفن العربي بصورة كاملة، بما في ذلك من خلال التجريدية المتسامية. نشاهد هذا التسامي بشكل خاص في أعمال شاكر حسن آل سعيد التأملية وفي بعض التجارب ضمن تيار الحروفية، التي استبقت الاهتمام بالفكر الأدبي والفلسفي والثقافي.

من المسلم به أيضاً أن هناك فنانين من الجيل الأول والثاني في العالم العربي تطلّعوا إلى الدخول في تراث التاريخ الفني المتمركز في أوروبا والمفقود في بلدانهم. غير أن الفنانين العرب رأوا في أساليب الفن الحديث الأوروبية (التي كانت تعني لهم في البدء الحداثة) ساحة للاختيار وليس هدفاً بحد ذاته. كما أن العديد منهم تساءلوا باستمرار حول فائدتها في تاريخ الفن وفي ثقافتهم بوجه خاص. صرّح الفنان العراقي أكرم شكري في إحدى المقابلات قائلاً: "أقول بصدق إنني أشعر بالملل من هذه الطريقة الحديثة في الرسم لأنني أشعر بعمق أني إذا استمريت بالرسم بهذه الطريقة طول 100 عام، لن أتقدم في عملي أكثر. وهذا ما يجعلني أغير الطريقة التي اخترتها لكي أحصل على النتائج التي أسعى إليها. "15

علاوة على ذلك، أدرك الفنانون العرب بسرعة أن جذور فقدان التراث التاريخي للفن موجودة في الشروط التاريخية السائدة في المنطقة والتي لا تتطلب وجود تصنيفات وأنواع، وأن ما يسمى بالتشريع الغربي هو بحد ذاته نتاج تاريخي فلا يمكن تعريبه. لذا واصل فنانون الحداثة العرب تحدي التصنيفات. وبدلاً من ذلك، اعتبر الفنانون العرب من بداية القرن العشرين إلى أواسطه في كتاباتهم أن الحداثة هي تطور تاريخي وليست حقبة محددة من التطوّر. وهذا هو بوضوح السبب الذي جعلهم يقبلون أو لا يمارسون القطيعة الأوروبية مع التاريخ ولا يرون أي تناقض بين الحداثة والتاريخ. حيث إن المثقفين الأوروبيين رفضوا من خلال الحداثة موروثات عصر الأنوار مما ليس له تداعيات مباشرة عند العرب. تمثل الحداثة بالنسبة للعرب لحظة تجدد في الحيوية والإبداع وبالتالي تسمح لأسلوب الفهم هذا أن يستمر في العالم العربي رغم نقده ومن ثم التخلي عنه في أوروبا.

جرى باستمرار وإلى الآن شرح الفن العربي الحديث بصورة متعاطفة عن طريق علاقته بالامبريالية الأوروبية والاستشراق. واستند الاعتراف بوجود الفن العربي الحديث على القطيعة المفاجئة في تاريخ المنطقة نتيجة الاستعمار والخضوع "لقوى متفوقة". حملت هذه العلاقة غير المتكافئة والمتعالية، كما يتضح من الاستشراق، ادعاء بأن الغرب أصبح هاجسه "الجمود الزمني" و"التخلف" في الشرق بصفته "الآخر الغريب"، مما يفترض أن يكون العرب في حالة من الذهول أمام تقدمية "الحضارات المتفوقة"، كما يعني أن الغرب هو الرائد والعرب هم التابعون باستمرار والمقلدون له. حتى لو سلمنا بأن ذلك كان صحيحاً في فترة ما، ألا يمكننا أن نتخيل لهذه الفترة؟ وإذا اعترفنا أن المقاومة المسلحة اندلعت في النهاية ضد الاستعمار والقوى الإمبريالية، ألا يمكننا أن نعترف بأن هذه المقاومة توسعت لتطال علم الجماليات أيضاً؟ بناء عليه، يجب أن نعيد النظر في مرحلة التقليد في البداية، التي يعترف بها كل الباحثين، ونتكلم عنها بتعابير أقل تحقيراً. "16 دافعت كرستين شيد عن لوحات الفنانين اللبنانيين التي تمثل العراة، "الضرورية"، في مطلع القرن العشرين باعتبارها جزءاً من عملية التثقيف؛ "17 وشكلت رسوم العراة تلك معياراً للحداثة كما وفرت مساحة للتفاعل الجمالي بين ما هو محلي وأجنبي. ألا يمكننا تبعاً لذلك فهم إبداعات الفنانين العرب من الفن السائد على أنها ليست مجرد خضوع، بل هي إعادة صياغة واعية وشمولية ونظرية وأيديولوجية للجماليات؟ وطريقة لنشر الحداثة كما يرونها على مستوى أممي؟ ألم يحن الوقت بعد لإعادة "أقلمة" أوروبا (وضعها في "خانتها المحلية")؟ "18

بناء عليه، أليس من الممكن النظر خلف التشابه السطحي في الأساليب ورؤية الميّزات الخاصة التي يصوغها كل فنان؟ أليس القول بأن هناك للوحة "جواد سليم" مثلاً لوحة أصلية تتفوق عليها على الدوام هو استمرار للفكر الاستشراقي، الذي ينفّر الباحثين اليوم؟ أليس عدم تكافؤ القوى هو الذي يسمح بتمرير تكييفات ماتيس وكلي للجماليات الإسلامية إعادة صياغتها فلسفياً بدون تعليق، بينما يعتبر دائماً أنه من الضروري ايجاد أصل أوروبي عند الحديث عن الفنانين العرب؟ إن هذا الفن العربي الذي يقاسم الفن الأوروبي التقنيات والأساليب المتنوعة هو في رأيي أكثر تعبيراً عن جذور الحداثة غير الغربية وعن طبيعة التبادلات الثقافية والتقدم.

بينما أبرز الاستعمار إشكالية الهوية، لم تطغى الشوفينية القومية التي فرضتها فكرة الدولة - القومية، بهدف عكس هوية منفصلة ومميّزة مع حدود اجتماعية وثقافية وسياسية واضحة، على السياسة في العالم العربي إلاّ بصورة متأخرة خلال القرن العشرين. وللمفارقة، بينما فشلت مختلف المحاولات لعقد وحدة سياسية عربية بين بلدان متجاورة سعياً للتضامن السياسي في مواجهة القوى المهيمنة، أصبحت العروبة الثقافية أكثر تجلياً. غير أن تراكب السياسات القومية خلال النصف الثاني من القرن العشرين حرم في النهاية الأشكال البصرية من مجالها الحرّ في الحركة. لذا واجه الفن العربي التحدي على جبهتين: أولهما للتأكيد على هويته البصرية والجمالية الخاصة وثانيهما للتعبير عن عروبته بصورة موازية. في نظر العالم، لم يكن الفن العربي الحديث قادراً يوماً على تأكيد عروبته ولا أصالته ولا حداثته.

من المهم أن نتذكر بأن وعي الفنانين العرب لهيكل السلطة وحاجتهم للإجابة على الخطاب الوطني المحلي الناشئ شكل دينامية قوية غذت خطط بناء القوميات. ما كنا نسميه بتعريب الفن الحديث لم يكن تحويراً تجميلياً وسطحياً للفن الأوروبي، بل إعادة بناء واعية لما هو مألوف ضمن هوية بصرية وطنية، ولم يكن ذلك مفهوماً بالمعنى الضيق للانتماء الوطني. سمح الفن غير التشخيصي للفنانين العرب، وكان يشتق حدسياً من الأمثلة الشعبية بفعل جذوره الواضحة في موروثهم الخاص، بصياغة مقاربات فكرية وبصرية بين حاضرهم وماضيهم، وشكل رداً بشكل خاص على حجة الانقسام بين التراث والحداثة الذي فرضته الحداثة الأوروبية. وما تزال هذه الحجة حول التعارض الذي لا يمكن إلغاؤه بين التراث والحداثة كسبب للصراع بين الشرق والغرب تستخدم على نطاق واسع. وكما يشير إنويزور في مقارنته لوتيرة البناء السريعة في الصين وكوريا الجنوبية، التي يسميها "لغة تعريف الحداثة"، وبين تمتحف المدن الأوروبية، أن ذلك يشكل انعكاساً للعلاقة بين التجديد والتراث. "19 وبالمثل يمكننا بسهولة رؤية أن "لغة تعريف الحداثة" موجودة بقوة في الخليج العربي وتعلن على أنها حديثة وجديدة جداً.

إن رؤية الحداثة والتقاليد كخط مستقيم ومتواصل هو مشكلة أوروبية بحتة فرضت فكرة أن التقاليد مضادة للتغير. شوهت هذه الإشكالية الخاصة بأوروبا، والتي لا صلة لها بالعالم العربي بدون شك، فهم الحداثة العربية. والمفارقة هنا هي أن جذور معظم ما نتج عن الفن الأوروبي الحديث، وتحديداً التجريد، متأتية من تقاليد غير غربية بعد تصفيتها! ألم يحن الآن وقت إعادة تقييم هذا التعارض المفترض بين التقاليد والحداثة، الظاهر بشكل أوضح إلى ما لا نهاية في الأمثلة المادية الأوروبية أكثر من وضوحه في العالم العربي، في سياق جديد؟ حيث إن منظوراً جديداً حول الحداثة العربية قد يعقّد بالضرورة فهمنا للحداثة بشكل عام.

في النهاية، لا يقدم معرض "سجل" سوى بداية فقط، وهو لا يدعي إعطاء أية إجابات أو حلول، بل يطرح الأسئلة التي توفر إمكانيات الفهم. هناك حاجة لإجراء العديد من البحوث من أجل ملء الفجوات في ما درج على اعتباره تقليدياً شرخاً في تاريخ المنطقة الثقافي الذي سبب الركود الموهن. ربما من قبيل العجرفة قليلاً تصوّر أن هذا الشرخ خلق تعتيماً تاريخياً كاملاً وخلاقاً. يحمل القرنان الثامن عشر والتاسع عشر حتماً إمكانية إيجاد الحلقات المفقودة في سردنا. يجب علينا إذن البحث عن نشوء لحظة بداية الحداثة العربية في المواقع المحلية لهذين القرنين وفي أزمنتها المتخلخلة ربما. وبهذه الطريقة يستطيع متحف أن يلعب، وسيلعب، دوراً هاماً كمؤسسة وكمكان لصنع وتداول المعرفة والتاريخ.

المصادر

  1. يبدو أن إحدى ظواهر التفرقة الواضحة بين الفنانين "الرسميين" و"المعولمين" هي أن الرسميين يستجيبون للدولة بينما يستجيب الفنانون المعولمون للسوق. أي بعبارات أخرى، في عصر العولمة الجديد، حلّت السوق محلّ الدول كراعية للفنون.
  2. كما يقول بنديكت أندرسون، "يجب تمييز المجتمعات ليس تبعاً لزيفها أو أصالتها بل للأسلوب الذي تمّ فيه تصوّرها". بنديكت أندرسون"Imagined Communities" Benedict Anderson (المجتمعات المتصوَّرة)، لندن: منشورات فيرسو، 1983، 06:1991
  3. "Visual Arts and Art Practices in the Middle East", Arab Studies Journal، ربيع 2010، المجلد 18\ العدد 06:1
  4. أنظر أكوي إنويزور"Modernity and Postcolonial Ambivalence - African Modernism"، Okwui Enwezor (الحداثة وازدواجية فترة ما بعد الاستعمار) في "South Atlantic Quarterly" (فصلية جنوب الأطلسي)، 109،3، صيف 2010: "African Modernism" (الحداثة الإفريقية)، صلاح حسن، إشراف على النشر. يحدد إنويزور أربع فئات "بصفتها ترمز لشروط الحداثة اليوم". 600.
  5. دافعت فيما مضى عن فكرة إعادة بحث وتقييم تشكّل الحداثة في الفنون والمعمار باعتبارها ناتجاً أوروبياً، وأودّ القول إنها على مستويات عديدة عبارة عن ترجمة وليست ابتكاراً. تقبل وجهة نظري هنا مع ذلك إن الحداثة هي تطوّر أوروبي نابع من التاريخ حيث إن الأوضاع التاريخية الخاصّة والردود عليها هي التي فرضتها. يعني ذلك أن الحداثة كانت وما تزال تعرّف بشكلها المفروض لكن دون نكران دور الإمبريالية والاستعمار في تشكّلها، مما يسمح بالضرورة للصياغات غير الأوروبية أن يكون لها تأثير على تشكّلها.
  6. الذريعة بأن هنالك عدة حداثات تسمح أيضاً بإطلاق ذريعة وجود عدة "آخرين" بدلاً من التعبير العام الشامل والمتجانس "الآخر". غير أن استخدامي هنا لكلمة "الآخر" بالمفرد لا يعني إنكار خصائص كلّ "آخر".
  7. إنويزور"Modernity and Postcolonial Ambivalence"، Enwezor ، (الحداثة وازدواجية فترة ما بعد الاستعمار)، 616-610.
  8. نيكولا بوريو"Manifesto: Postmodernism is Dead"،Nicholas Bourriaud (بيان: مات تيار ما بعد الحداثة)، "Alter-modern" (الحداثة المغايرة)، ترينالي التيت، 3 شباط\فبراير\ 26 نيسان\ابريل 2009، http://www.tate.org.uk/britain/exhibitions/altermodern/manifesto.shtm
  9. مع أني لا أبرئ بتاتاً تيار ما بعد الحداثة من ذنب التمركز حول أوروبا الذي اتسمت به الحداثة، بل أرى بدلاً من ذلك استمرارية أكثر تعقيداً و مبطنة لهذه الممارسة، غير أني أعترف أنه بفضل مفهوم الخطام المصاغ من خلال أفكار ما بعد الحداثة، أصبح من الممكن قبول النظريات التي يقترحها تيار ما بعد الاستعمار وتعددية ((الآخرين)) المشاركة في النقاش.
  10. معرض (مستقبل التراث- تراث المستقبل) في دار الفن في ميونخ، كان إشادة بالمعرض التاريخي حول الفن الإسلامي الذي أقيم سنة 1910 تحت عنوان ((تحف من الفن المحمدي)). لعب هذا المعرض بالفعل دوراً جوهرياً في تطوّر الفن الحديث كما في تطوّر جمالياته.
  11. أنظر كتاب ميشال فوكو (علم آثار المعرفة) 1969، المترجم إلى الإنجليزية من قبل أ.م شيريدان سميث بعنوان ،"The Archaeology of Knowledge"، نيويورك: منشورات بانتيون بوكس، 1972.
  12. يتعدى التحدي الذي يطرحه العثور على المعلومات الناقصة حول الأعمال الفنية، الموجودة ضمن المجموعة، المشكلة اللوجستية. فهو يعكس، على نطاق واسع، أوضاع شؤون جمع الأعمال الفنية العربية ومستوى المعرفة المتوفرة حول الفنانين وأعمالهم. أنه يلقي الضوء أيضاً على المشكلة الخطيرة المتمثّلة بشيوع المعلومات الخاطئة حول فن الحداثة العربي مما يؤثّر بشدة اليوم على سوق الفن العالمية.
  13. انظر ندى الشبوط ((الفن العربي الحديث))، 51- 53.
  14. لقراءة بحوث مفصلة حول تشكّل الفن الحديث في العالم العربي، أنظر كتاب وجدان علي (الفن الإسلامي الحديث: تطوّر واستمرارية). منشورات غينزفيل: مطبوعات جامعة فلوريدا، 1997؛ زينب بحراني وندى الشبوط، إشراف على النشر، (الحداثة والعراق). نيويورك: جامعة كولومبيا، غاليري ميريم وإرا والاك للفنون، 2009؛ ليليان كرنوك. (الفن المصري الحديث: نشوء الأسلوب الوطني). القاهرة: مطبوعات الجامعة الأميركية في القاهرة، 1988؛ 2005؛ سلوى مقدادي النشاشيبي، إشراف على النشر، (قوى التغيير: فنانو العالم العربي). كاليف وواشنطن العاصمة: المجلس الأممي للنساء في الفنون والمتحف الوطني للنساء في الفنون، 1994؛ ندى الشبوط. (الفن العربي الحديث: تشكل الجماليات العربية). غينزفيل: مطبوعات جامعة فلوريدا، 2007.
  15. ((مقابلة مع فنان: أكرم شكري))، مجلة الأقلام، أيلول/سبتمبر 1964، المجلد 1، العدد 1: 170.
  16. أقرّ بأنّي قبلت هذا الادعاء لفترة من الزمن. حيث إنه شكل، إلى حدّ ما، عملية مفيدة لفهم إشكاليات كل من العالم العربي في مراحل ما بعد الاستعمار والتحديات التي يطرحها تاريخ الفن. أعدت مع ذلك النظر في موقفي هذا منذ ذلك الحين، ويعود الفضل بذلك إلى أعمال الجيل الجديد من مؤرّخي الفنون التي فتحت الطريق أمام قراءات واحتمالات جديدة.
  17. وتقول: التثقيف هو "إعادة تصنيف المعايير من أجل التفاعل و تفحّص الذات". كرستي شيد (رسوم العراة الضرورية: الحداثة و المعاصرة في حياة اللبنانيين الحديثين)، في (المجلّة العالمية للدراسات الشرق أوسطية)، المجلد 42، العدد 2: 203.
  18. ديبش شكربرتي (أقلمة أوروبا: فكر ما بعد الاستعمار والاختلاف التاريخي)، برينستون: مطبوعات جامعة برينستون، 2000.
  19. إنويزور، المرجع نفسه، ص. 579.

نُشر هذا المقال سابقاً في دليل معرض "سجل: قرن من الفن الحديث". صدرت الطبعة الأولى سنة 2010 عن منشورات سكيرا - شركة مساهمة محدودة. جميع الحقوق محفوظة © متحف: المتحف العربي للفن الحديث ومتاحف قطر، الدوحة، قطر. تحرير د. ندى الشبُّوط.