تاريخ النشر: 20 أغسطس 2014، [تمت المراجعة في يناير 2026]
شيرين نشأت في حوار مع عبد الله كروم
تم تسجيل المقابلة في ستوديو الفنانة في نيويورك في يوليو2014، أثناء التحضير لمعرض شيرين نشأت: ما بعد، 9 نوفمبر 2014 – 15 فبراير 2015 في متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة
عبد الله كروم: شيرين، كنا هنا البارحة نبحث عن عنوان للمعرض وكذلك اليوم، ولكي نساعد الناس على فهم أعمالك أود أن أبدأ بسؤال أساسي حول الإلهام والقراءات والتاريخ الذي تستوحين منه أعمالك، أي عن أصول هذه الأعمال. لأننا لو بدأنا من النهاية ولو عدنا بالنظر إلى هذه الأعمال لوجدنا حضوراً قوياً للمرأة، لشخصية المرأة وجسدها؛ هناك حضور جوهري للنساء في كل أعمالك حتى الأعمال الأولى، وهذا الحضور مستمر: هناك التاريخ والأفكار، لكن هناك أيضاًً حضور جسد المرأة الذي يعتبر أهم مظاهر الخلق على الإطلاق. عندما أنظر إلى أعمالك أدرك أن الإلهام ينبع من خارج وداخل هذا الجسد، من التوتر الناشئ بين الداخل والخارج. هل يمكن أن تشرحي لنا بكلماتك الخاصة من أين تستمدين تعابيرك وإبداعاتك القوية؟
شيرين نشأت: على غرار الكثير من الفنانين، يتعذر علي في بعض الأحيان فهم دوافعي وميولي وهواجسي المتكررة. فعلى سبيل المثال ما السبب الذي دفعني إلى طريق الفن في البداية؟ ولماذا تشدني بعض المواضيع والجماليات؟ لكن الآن وبعد كل هذه السنوات أصبحت قادرة على رؤية أعمالي بطريقة استعادية، وعلى تحليل جذور أفكاري ومفرداتي البصرية.
من الأشياء التي اكتشفتها وجدت أنني أميل إلى تكرار بعض الأنماط، مثال ما ذكرته عن الجسد البشري، جسد المرأة تحديداً، أجد أنه أصبح موضوعاً رئيسياً في عملي. والسبب قد يعود جزئياً إلى حقيقة كوني امرأة، أو لأن جسد المرأة كان دائماًً مثار جدل وموضوعاً شائكاً في الخلفية الإسلامية التي نشأت فيها. وأجد استخدام اللغة الشعرية والكنايات هو المدخل الرئيس إلى أعمالي، إذ يكشف تأثيرات خلفيتي الثقافية الإيرانية، إيران الغنية بتاريخها وشعرائها ومتصوفيها. كما أستطيع أن أرى كيف اندمج تطور تاريخي الشخصي مع تطور فني، بشكل ميز أشكال أعمالي ومحتواها الفني فجعلها أقرب إلى الأعمال الشخصية إن لم نقل إنها سرد لسيرتي الشخصية.
وأخيراًً اكتشفت أن أعمالي تلامس أزمة الهوية الإيرانية، وذلك الصراع الدائم بين التراث الفارسي في مواجهة التراث الإسلامي. من الناحية الجمالية أجد أنني استعرت إحساس التناظر والتناغم والتكرار والفراغ والتجريد ودمج النص بالصورة من الفن الإسلامي الكلاسيكي، أما مفهوم الصوفية والشعر والبناء السردي فيبدو أنها تنبع من جذوري الفارسية، من المنمنمات الفارسية مضافاً إليها الفن الإسلامي.
عبد الله كروم: تحدثت عن النظر والقراءة، لذا أريد أن أسألك عن العلاقة بين الفن والتاريخ، وماذا يفعل الفن للتاريخ؟
شيرين نشأت: أظن أن للفنانين طريقتهم في تأويل التاريخ، وهذه الطريقة تختلف تماماًً عن طرق المؤرخين أو الأكاديميين، ربما لأن المنهجية التي يتبعونها تكون في الغالب غير واقعية وغير مباشرة. في حالتي أنا، اكتشفت مؤخراً أنني استطعت من خلال أعمالي سواء كانت صوراً فوتوغرافية أو أفلاماً أن ألتقط وأوثق لحظات من التاريخ. سلسلة "نساء الله" مثال كانت رداً مباشراً على الثورة الإسلامية عام 1979، أما فيلمي "نساء بلا رجال" فقد صور إيران عام 1953، وسلسلتي الأخيرة "كتاب الملوك" فتظهر ردي الشخصي على الحركة الخضراء في إيران (2009) والاحتجاجات الشعبية التي قامت في منطقة الشرق الأوسط، أي ما يسمى بالربيع العربي عام. (2011)
بعد قولي هذا أشعر أنه ورغم أن فني يوثق بشكل مجازي التاريخ السياسي، إلا أنه يبقى فناً غير عقائدي؛ فهو يطرح الأسئلة دون أن يجيب عليها. وهذا الأسلوب ينطبق أيضاًً على تساؤلاتي بشأن النساء المسلمات. أحاول ألا أحكم أو أنتقد، وأنا ببساطة أحاول فهم الأوضاع العاطفية والنفسية للنسوة اللاتي يعشن في بيئات دينية متطرّفة.
عبد الله كروم: نعم، لكن في نفس الوقت يبدو التاريخ وجسد المرأة وكأنهما محور أعمالك، ونقطة الانطلاق تنبثق منك ومن مشاعرك.
شيرين نشأت: صحيح تماماًً.
عبد الله كروم: أظن أن هذا هو السبب الذي يجعلني أرى جسد المرأة كمحور، وكأنه القطعة الفنية ذاتها. لكنه ليس مجرد قطعة، إنه نموذج تستخدمينه كمرجع، إنه منصّة للانطلاق.
شيرين نشأت: لطالما حيرّتني الطريقة التي حوّلت فيها الثقافات الإسلامية جسد المرأة إلى ساحة معركة تتصارع عليها القيم الأيديولوجية والدينية، وكيف أصبحت النساء المسلمات تجسيداً لقوانين الرجال. لذا في سلسلة "نساء الله" لم أركز فقط على مبدأ النسوية أو مناصرة المرأة، بل شعرت أنه من خلال دراسة المرأة في الثورة الإسلامية استطعت أن أتوصل إلى فهم الأسس الفلسفية والأيديولوجية التي قامت عليها الثورة نفسها.
حين أعود بالنظر إلى تاريخ إيران الحديث يدهشني أن أجد أنه في كل مرة يحدث فيها تحوّل سياسي في إيران أرى حياة المرأة العامة والخاصة قد تحوّلت أيضاًً. مثلاًً إبّان فترة حكم رضا شاه بهلوي (1941– 1925) أُجبرت النساء على نزع الحجاب، ثم وبعد الثورة الإسلامية (1979) كان عليهن ارتداء الحجاب بالقوة. ومن المثير أن نجد أن تأمّل صور "نساء الله (1997–1993) "التي نفذّت حول الثورة الإسلامية، وسلسلة "كتاب الملوك" (2014–2012) التي توّثق تاريخ إيران الحديث، يكشف نقلة رئيسية في المجتمع الإيراني ووضع المرأة خلال فترة 30 سنة. إذا كانت المجموعة الأولى تظهر سيطرة الدين على حياة المرأة الخاصة والعامة، بينما تكشف المجموعة الثانية عن جيل جديد من النساء المتعلمات، المتفتحات، المتكلمات والأهم من هذا كله أن الدين هو بالنسبة لهن خيار.
عبد الله كروم: هل أسلوبك إذن هو قراءة ثقافية لإيران والمرأة الإيرانية؟
شيرين نشأت: نعم ويجب ألا ننسى أن أعمالي ذات صياغة متجدّدة، ربما لأني لا أعيش في إيران، لهذا السبب لم يسعّ فني أبداً إلى التقاط "الحقيقة"، بل هو أسلوب روائي يوصل إلى"الحقيقة". والخلاصة هي أن أعمالي رغم أنها تبدو ذات انتماء عرقي معين في الظاهر، إلا أنها تميل إلى تخطي مسألتي الزمان والمكان وتتمتع بصدى أكثر عالمية وتروق لأصحاب الإثنيات والأديان الأخرى. بعد قولي هذا، ومع أنني أرقب الوضع من منظور خارجي، أي منظور فنانة إيرانية تعيش في الخارج، إلا أنني أجزت لنفسي التمادي في طرح الأسئلة حول تاريخ ثقافتي في الماضي والحاضر، حتى لو فعلت هذا من وجهة نظر بعيدة.
وأخيراًً، فإن صوري سواء من مجموعة "نساء الله" أو "كتاب الملوك" هي عبارة عن صور شخصية لا تحاول أن تتشبث بالهوية الخاصة للشخصية، بل مهمتها أن تقدم لمحة عن الهوية الجماعية، وهي وسيلة لتصوير بعض لحظات تاريخنا القومي. في سلسلة كتاب الملوك اعتبرت الصور بمثابة عرض سردي واحد، كتركيب تصويري واحد. لذا وعلى نحو غريب أجد نفسي في وضعية الراوي حتى من خلال صوري الفوتوغرافية.
عبد الله كروم: كشاهدة
شيرين نشأت: نعم أشبه بشاهدة، تراقب الأشياء عن بعد وتتكلم مع مشاهديها بنبرة عاطفية لا بنبرة سياسية. أعتقد أنني أهتم بالتاريخ، ليس كطريقة لتوثيق الأحداث السياسية، بل كطريقة لدراسة قوة النفس البشرية في ضوء الصراعات والنجاة في زمن الطغاة.
عبد الله كروم: لكنه ليس الثاني من مايو، وليس غويا. إنها ليست تلك اللحظة الخاصة من الدراما، من التاريخ؛ إنها أبعد من ذلك. فهي تحاول أن تتكلم عن الجماهير مثلاًً، أو عن تأثير اتخاذ قرارات تقليدية، مثل القيم المفروضة على الناس كجزء من التاريخ أو كأدوات للسلطة.
شيرين نشأت: نعم، أوافقك الرأي، وفي حالة لوحة غويا "الثاني من مايو"، أظن أن القوة العاطفية للمشهد هي التي تحركنا وتؤثر بنا بشكل لا يُصدق وليس تفاصيل الموضوع. ربما يكون أفضل فن سياسي هو ذاك الذي يتخطى الزمان والمكان وحتى السياسة نفسها.
عبد الله كروم: بالعودة إلى هذه العالقة بالتاريخ، وما يفعله الفن بالتاريخ، أريد أن أسأل ماذا يفعل الفن بالميثولوجيا. لأن خلق صورة ضمن عالم الفن يتطلب النظر إلى التاريخ الذي يتجاوب معه الفنان ويتواصل من خلاله، ويحاول فهمه. وحالياً أصبحت الميثولوجيا في غاية الأهمية لا سيما في سلسلة "كتاب الملوك" إذا ما عالاقة عملك بهذه الميثولوجيا وبمسائل الرؤية بالعين بدل القراءة، أو التواصل أو إعادة الكتابة؟
شيرين نشأت: أذكر أن العمل بالمجموعة بدأ مباشرة بعد الحركة الخضراء الملهمة عام 2009، أي الحراك الشعبي الذي انطلق في إيران التي كانت تعاني من قمع الحكومة الإيرانية. وقد انخرطت بشكل ما في هذه الحركة وأذكر مقدار الإحباط الذي أصابني بعدها، حين شهدت تلك الحركة الرائعة المفرحة تحول مسارها بطريقة تراجيدية عنيفة. بعد تلك التجربة شعرت بدافع كبير للبدء بتنفيذ مجموعة توثق الروح الوطنية التي أصبحت قوية ومعدية بين صفوف الشباب، والتي حركت مشاعر الكثيرين منا.
لكنني علمت حينها أنني بحاجة إلى إيجاد طريقة أكثر خيالية في التعبير عن انطباعاتي وأفكاري، بدأت بالنظر إلى "كتاب الملوك" الأصلي، أي الشاهنامة التي تتألف من قصيدة ملحمية طويلة كتبها الشاعر الفارسي الفردوسي في القرن العاشر. تعتبر الشاهنامة أثراً شعرياً وتدويناً عظيماً للتاريخ، وهي تصف الماضي الإسطوري، والتاريخي أحياناًً، إلى أنه منذ بدء الخليقة وصولاً إلى الفتح الإسلامي لبلاد فارس في القرن السابع. واكتشفت أن المواضيع الجوهرية للشاهنامة تشبه ما كنت أحاول أنا التعبير عنه. كيف تتقاطع مفاهيم البطولة والتفاني والتضحية بشكل متكرر مع مفاهيم العنف والوحشية وفي النهاية الموت. لقد وثق الفردوسي تاريخ فارس القديم من خالل لغة الشعر والأسطورة، ها أنا ذا أتطرق إلى مفهوم "الوطنية" في الوقت الحاضر من خلال لغتي البصرية والاستعارات. وجدت رابطاً قوياً بين ماضي بلدي وحاضرها، بين سرد الفردوسي وشخصياته الأسطورية وبين طريقتي في ترتيب الأفكار حول أبطال الحاضر وطغاته.
عبد الله كروم: إذا يستحضر عملك هذه القراءة الأسطورة وتأويل التاريخ بأذهان الناس في الوقت الحاضر.
شيرين نشأت: طبعاً لم أعقل الأمر في بداية عملي في المجموعة، لكنني أظن أن طريقتي اتسمت بالشاعرية، مع تأويل أسطوري للتاريخ بدل التأويل الواقعي. تجسد كل شخصية من شخصيات السلسلة سواء كانت من "الوطنيين" أو "الجماهير"أو "الأشرار" نوعاً معيناً من الأسطورة أو الأمثولة.
عبد الله كروم: لأننا في التاريخ لا نعرف دائماًً أين الحقيقة وأين الرواية، ما هو التاريخ وما هو السرد المركب.
شيرين نشأت: هذا صحيح تماماً. وربما يجب على الراوي، في الغالب، أن يقدم القصة بطريقة تسمح للمشاهدين أن يقرروا الحقيقة بأنفسهم. أذكر أنني أثناء التخطيط لفيلمي الأول الذي حمل عنوان نساء بلا رجال (2009) وهو فيلم تقع أحداثه خلال صيف عام 1953، الذي شهد وقوع الانقلاب الذي نظمته االاستخبارات المركزية الأميركية، والذي أودى بالحكومة الإيرانية وأطاح برئيس الوزراء. أذكر أني صعقت للطريقة المختلفة التي يفسر بها كل طرف التاريخ. فحين كنت تتكلم مع مناصري الشاه مثلاً تسمعهم ينكرون وقوع الانقلاب، ويقولون إن الأمر مجرد فبركة. وعندما تقابل شيوعياً سابقاً تراه يدعي أن الإنقلاب ما هو إلا استراتيجية هدفها اجتثاث الشيوعية من إيران. وأخيراً ومن وجهة نظر المؤرخين ترى أن الإنقلاب هو حقيقة مثبتة لدرجة أن الحكومة الأميركية اعترفت به وقدمت اعتذارها عن حياكة هذه المؤامرة. وهكذا في النهاية قام الفيلم بمقاربة التاريخ السياسي على المستوى المجازي فقط، ولم يقدم أي تأكيد أو حقائق واقعية من أي نوع.
عبد الله كروم: إذن ابتعادك ومنفاك لا يأخذانك بالضرورة إلى البعيد فقط، بل إلى الأعلى أيضاً. إذ يمكن النظر إلى هذا المنفى على أنه نوع من الارتقاء، حيث تستطيعين رؤية صورة شاملة من بعيد، مثلاً تستطيعين رؤية بداية معرضك "ما بعد" انطلقت من الجماهير، حيث ترين مجموعات مختلفة من الناس وكأنك الجماهير. تنزعين نفسك. لا ليس انتزاعاً بل.....
شيرين نشأت: هذا صحيح تماماً، أرى نفسي دائماً أقف في مؤخرة الصف أرقب التاريخ وهو يتكشف أمام عيوني. رغم اعترافي أن هذا لم ينطبق على الحالة في مصر. لقد اختبرت القاهرة في أيام ثورتها في ميدان التحرير (2011–2013) وأجريت مقابلات وصورت الكثير من الأشخاص المتقدمين في العمر.
عبد الله كروم: هل ترغبين بإعادة تشكيل هذه الكينونات بطريقة تحافظين فيها على هذا التوتر؟ بالنظر إلى أعمال المعرض نرى "الجماهير"، "الوطنيون"، و"الألشرار". لقد رتبت الأعمال المختلفة بالتناوب بحيث ينظر كل عمل إلى الآخر. أو وضعت الناس، أي الجمهور، في مواجهة أحد الأعمال ثم في مواجهة آخر، لإظهار الاحتمالات المختلفة. ثم لا ننسى علاقة الانجذاب أو المقاومة.
شيرين نشأت: أفضّل القول إن الأمر يدور حول العلاقة بين الخوف ومقاومة الخوف. منذ بداية المشروع عرفت أنه يجب تقسيم الصور إلى ثلاث مجموعات: "الأشرار" الذين يتحكمون بالسلطة، و"الوطنيون" الذين يقاومون السلطة، و"الجماهي" وهم المتفرجون الذين يشهدون هذا الصراع.
لكن، خلافاً لسلسلة "نساء الله"، التي كانت كل صورة فيها تحمل فكرة وسرداً خاصين، وجدت في "كتاب الملوك" أن هناك علاقة يجب أن تربط بين الصور جميعاً، وأنه يجب إحاطة المتفرج بالكينونات الثلاث معاً لكي يصل إليه ذاك الإحساس بالتوتر. لهذا السبب تحولت السلسلة في النهاية إلى صورة واحدة كبيرة تتألف من 65 صورة فوتوغرافية.
وعلى غرار سلسلة "نساء الله"، احتفظت سلسلة "كتاب الملوك" بالحد الأدنى من التعقيدات البصرية والجمالية، أسود وأبيض، تصوير مع بعض الإيماءات البشرية الدقيقة. وإذا دلّت لغة جسد "الأشرار" على السلطة والسيطرة فإن "الوطنيين" بأيديهم الموضوعة على قلوبهم يفرضون مفاهيم تدل على الحب والتفاني والاعتزاز والتحدي، أما نظرات "الجماهير" فتكشف من الناحية الأخرى إحساساً بالضعف والخوف من الخسارة والفناء.
عبد الله كروم: في فيلميك "مضطرب" و"ملغي" مثال نرى أن الأمر ليس مجرد قصة، ألنك حين وضعت المتفرج خلف الشاشة فإنك وضعت الناس في مأزق بحيث أصبحوا جزءاً من هذا الفضاء الفارغ وهذه الأصوات.
شيرين نشأت: تسحرني الصورة المتحركة التي تساعد في تخطي حدود الصورة الساكنة. يمكن للمرء من خلال الفيديو أن يدخل التطور الدراماتيكي، والمنظر الطبيعي، والرقص، واللغة، والموسيقى. كما تقدم أفلام الفيديو للمشاهد خبرة مادية بدل الخبرة النحتية، وهذا شيء تفتقر له الصور الفوتوغرافية دون شك. في فيلم "المضطرب" الذي يعتبر إسقاطاً ثنائياً على جداًرين متقابلين، يجلس المتفرج بين الشاشتين ويصبح مشاركاً فاعلاً محصوراً وسط الثنائي الموسيقي، بين المغني الرجل والمغنية المرأة.
في "حكم مفرط" الذي صوّر كمشهد قصصي عبثي في قاعة محكمة، يواجه الجمهور نوعاً آخر من التناقضات. قاض ونظراؤه يمثلون رجال السلطة والتحكم يجلسون على أحد جانبي الطاولة بينما يجلس على الجانب الأخر موسيقيان، متهمان بتقديم أغان ذات طبيعة تدميرية – والمفارقة هي أن كلام الأغنيات مأخوذ من شعر الرومي الشاعر الذي عاش في القرن الثالث عشر. إذا كان فيلم "المضطرب" يطرح مسألة الذكورة والأنوثة في المجتمع الإيراني، فإن "حكم مفرط" المتجدد والسريالي يركز على البون الشاسع الذي يفصل بين الأشخاص المتحكمين بالسلطة لكنهم يفتقرون إلى الخيال، وبين أولئك الذين يملكون المخيلة لكنهم يفتقرون إلى السلطة.
عبد الله كروم: يتمحور فيلم "المضطر" حول التوتر الناشئ بين الحضور والغياب. إنه فيلم قوي جداًً.
شيرين نشأت: "المضطرب" هو في الحقيقة عمل يصور المستويين الفكري والاجتماعي. يمكن تفسير غياب الجمهور في مسرح المغنية على أنه تمثيل رمزي لحرمان المرأة من تجربة الغناء في الثقافة اإليرانية، يمكن أن ُينظر إليه على أنه فرصة للمغنية كي تعبر عن مكنونات حريتها وإبداعها. كذلك فإن حضور الجمهور في مسرح المغني الرجل هو نعمة ونقمة في الوقت عينه.
عبد الله كروم: هل لأعمالك جانب له عالقة بسيرتك الذاتية؟
شيرين نشأت: يمكن القول إن عملي مستلهم دون شك من ظروف حياتي الشخصية ومن المشاكل المحيطة بي، لكنه ليس مستمداً بالضرورة من سيرتي. حين أعود بالنظر إلى فني ألاحظ أن كل شخصية نسائية قدمتها فيها تجسيد أحد جوانب شخصيتي وتعكس نقاط ضعفي، ضعف لكنه قوة، آمال وطموحات.
كذلك إذا عدت بالنظر إلى نمطي السردي والفكري لوجدت أن مفهوم "المنفى" يتكرر بشكل دائم، وهو موضوع قريب جداًً من تجربتي الشخصية. في فيلم "طوبى" (2002) أرى حشداً هائجاً من الرجال والنساء المدثرين بالأسود يركضون طلبا للمأوى في حديقة تتوسطها شجرة يتيمة. هنا تصبح الحديقة وشجرة طوبى، التي ذكرت في القرآن الكريم كرمز للجنة المقدسة، تصبح مجازاً يدل على المنفى. ومن ناحية أخرى يتمحور المحتوى السردي لسلسلة نساء بلا رجال حول الفضاء الغامض الفاني أحد البساتين، الذي يؤمن المأوى أيضاً لبعض النساء العليلات كي يتعافين من جراحهن العاطفية والنفسية والثقافية.
عبد الله كروم: ماذا عن العملية الإبداعية؟ هل هي شيء يمكنك تحسسه أو تسميته؟ هل هناك ما تعتبرينه ذخيرتك الإبداعية؟
شيرين نشأت: العملية الإبداعية هي البركة المنقذة لحياتي، فقد أعطت حياتي هدفاً ومعنى، وساعدتني على إيجاد طرق للتعبيرعن كل شيء لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات. وقد حملتني تركيبتي كفنانة مسؤولية تجاه المجتمع الذي أعيش فيه والمجتمع الذي أتيت منه. من خلال فني أشعر دوماً بالتماهي مع الناس، مع أنماط مختلفة من الجماهير والمجتمعات الصغيرة. يجب أن أذكر هنا أنني منذ احترفت الفن لم أفصل يوماً بين حياتي الخاصة وحياتي المهنية، فقد انغمست كلياً في العمل إلى درجة انعكست على نمط حياتي. وفي سبيل دعم هواجسي ولكي أبقى متحفزة أحطت نفسي بفنانين آخرين وأصدقاء يستفزونني للدخول في حوارات ثقافية وسياسية وفكرية على الدوام.
عبد الله كروم: هذا أمر يفتح الافاق أيضاً
شيرين نشأت: نعم هذا شيء أساسي جداًً
عبد الله كروم: إنه أمر قاتم في نفس الوقت لكنه مصدر للوعي.
شيرين نشأت: برأيي يجب على الفن أن يزعج وأن يقدم الجانبين القاتم والمشرق لإنسانيتنا. هناك شيء صادق ومؤثر في مواجهة الرعب والحزن، ومع هذا فإن هناك الكثير من الجمال والسعادة في الحياة التي نعيشها.
عبد الله كروم: هذا رائع. دعينا نعود الآن إلى الأسئلة الأساسية البسيطة. لقد ذكرت الكتب، ترى ماذا كانت قراءاتك الأولى؟
شيرين نشأت: مع أني لست قارئة ممتازة إلا أن الأدب لعب دوراً مهماً في عملي. لدي انجذاب كبير لأعمال الشاعرات والكاتبات الإيرانيات، ولدي ارتباط عاطفي بالطريقة التي عبرت بها هذه النسوة عن أزماتهن الشخصية والاجتماعية.
أنا أقارب الأدب دائماً كجزء لا يتجزأ من عملي. كما تعرف قمت عام 2009 بتحوير الرواية الواقعية الرائعة "نساء بلا رجال" للكاتبة الإيرانية شهرنوش بارسيبور لتصبح فيلمي الطويل الأول. كذلك فإن حروف الخط المنقوشة على أعمالي هي قصائد أصبحت جزءاً مهماً من معنى الصور التي ترافقها. وأحياناً تكون صوري استجابة لقصيدة ما قرأتها فألهمتني.
من الشعراء أنا معجبة بأعمال الشاعرة فروغ فروخزاد التي توفيت في حادث مؤسف في سن مبكرة لألسف في الستينيات، لكنها تركت إرثاً أدبياً هائل. لطالما شعرت بالألفة في تعابيرها العاطفية الأنثوية، ولغتها الجامحة وبالطريقة التي كانت تتناول فيها قضايا الجنس والمجتمع والثقافة في ذلك الحين. بشكل عام أرى أن النص في صوري هو بمثابة "صوت" القصائد تعطي قوة عاطفية وفكرية للوجوه، التي تبدو ظاهرياً صامتة وخالية من التعبير.
عبد الله كروم: إذن هي تخرج عن منظار الصورة الحقيقية، حضورها، فوريتها ومواجهاتها وتذهب باتجاه الماضي.
شيرين نشأت: تماماً. وغالباً، لا سيما في أفلام الفيديو، أستخدم شعر الرومي وحافظ، فأنا أحب مجاورة الأدب القديم مع الواقع الإجتماعي المعاصر. ومن نواح عديدة تحل الأغنيات في أفالمي محل حروف الخط المكتوبة على صوري.
عبد الله كروم: أعتقد أن ما نستطيع قراءته هو أن هذه الطبقات المتعددة هي أيضاً متعددة الأبعاد. فلو كانت هناك صورة واحدة، شكل واحد، لكان لدينا شيء ناقص، شيء يحتاج إلى استكمال. أنت تستخدمين لغات مختلفة لجعل العمل يبدو شديد الأكتمال.
شيرين نشأت: صحيح تماماً. النص والصورة معاً
عبد الله كروم: سؤال أخير. كيف بدأت العمل؟ ما هو عملك الأول، عملك التأسيسي؟
شيرين نشأت: حين كنت صغيرة كانت لدي بالطبع أحلام رومانسية حول العمل في الفن، لكن هذه الرومانسية سرعان ما تلاشت عندما بدأت دراستي في مدرسة الفنون في الولايات المتحدة الأميركية، إذ أدركت أنه من الصعب جداً إنتاج فن هادف ذي معنى، فالأفكارلا تأتي بسهولة. شعرت أنني كنت أفتقر إلى النضج والخبرة الضروريتين إلى إنتاج فن مهم. لذا وبعد تخرجي من مدرسة الفنون واكتشافي ضحالة فني قررت أن أنتقل إلى نيويورك وأهجر الفن إلى غير رجعة. عودتي إلى الفن بعد 12 عاماً بالتأكيد لم تكن بهدف وضع إستراتيجية مهنية، بل بسبب شعور عارم بالحنين إلى أسرتي وبلدي. أصبح الفن البصري هو اللغة الوحيدة التي تشعرني بالراحة، فمن خلاله أستطيع أن أدرس أسئلتي واكتشافاتي وأعبر عنها.
اليوم أستطيع أن أرى كيف تشربت نصوصي السردية وشخصياتي بإحساس الحنين الهائل الذي شعرت به خلال سنواتي الأولى في أميركا. لذا من جديد أقول إن أساس تطوري كفنانة هو ظروفي الشخصية، وحالتي العاطفية، وحصاري بين ثقافتين متصارعتين، ليس فقط في السياسة بل في القيم أيضاً.
وائل شوقي في حوار مع عبد الله كروم
انضم إلى هذه المقابلة مع الفنان وائل شوقي، والتي يحاوره فيها القيّم الفني عبد الله كروم حول كواليس صناعة عمليه الفنيين "كباريه الحروب الصليبية" و"العرّابة المدفونة".
رسمُ التأريخ: كباريه الحروب الصليبية لوائل شوقي وسقوط التاريخ الغائي
اكتشف كيف يعيد الفنان وائل شوقي قراءة التاريخ عبر ثلاثية "كباريه الحروب الصليبية"، باستخدام الدمى المتحركة كممثلين، وسينوغرافيا متقنة، وخطاب عربي فصيح.
فنانون ضمن السياق
تعرّف على إبداعات خمسة فنانين أعادوا تعريف الفن الحديث في العالم العربي، عبر مزج التجربة الشخصية بالتراث الثقافي وابتكار لغات تشكيلية جريئة.

