السيرة الذاتية
تعرف أحمد مرسي على الفنون البصرية لأول مرة عندما درس رسم الشخصيات والتصوير على يد فنانين أجانب مقيمين في الإسكندرية. في ذلك الوقت، وعلى عكس مدرسة الفنون الجميلة المصرية، كانت الإسكندرية تفتقر إلى مدرسة فنية رسمية خلال أوائل القرن العشرين. في أربعينيات القرن العشرين، درس مرسي الرسم من التماثيل الكلاسيكية على يد الفنان الإيطالي سيلفيو بيتشي (1874–1948)، شقيق أوتورينو (1878–1949) الذي درّب الفنّانين سيف (1906–1979) وأدهم (1908–1959) وانلي. في عام 1949 تعرّف مرسي على الأخوين وانلي عندما أسّس مرسمه الخاص في الإسكندريّة عن طريق أحمد فهمي مدرّسه للغة الإنكليزيّة.
كان مرسي عضواً في ما كان يسمّى "مدرسة الإسكندريّة" التي قالت عنها الباحثة والأدبيّة هالة حليم أنّها شكّلت منبت النشاط الفنّي السوريالي في الإسكندريّة إبّان الحرب العالميّة الثانية. أطلق الروائي والناقد المصري إدوار الخرّاط (1926–2015) تسمية "مدرسة الإسكندريّة" على مجموعة الفنّانين والفنّانات الذين شبّوا في مدينة الإسكندريّة في فترة الأربيعينيّات. وبحسب حليم كان لأحمد مرسي في "مدرسة الإسكندريّة" مكانة كشاعر ورسّام مثل تلك التي كانت لمنير رمزي ككاتب. لاحقاً، تعرّف الخرّاط إلى مرسي أثناء عملهما في شركة تعنى بحقوق النشر في الإسكندريّة ونشأت بينهما صداقة متينة استمرّت إلى حين وفاة الأوّل.
جمع مرسي بين ممارسته الفنيّة ودراسة الإنجليزيّة في جامعة الإسكندريّة في أوائل الخمسينيّات من القرن الماضي. وعند تخرّجه عام 1954، كان قد نشر أوّل ديوان شعريّ له بعنوان "أغاني المحاريب/خطوات في العتمة" (1949). أصدر مرسي تسعة دواوين شعرية من بينها "أغاني المحاريب" (1949)، وصمّم أغلفة لروايات الخرّاط وغيره من الأدباء المصريّين البارزين. تضمّن كتاب غير منشور يعود للعام 1958 أشعاراً من تأليفه إلى جانب رسوم للفنّان المصري عبد الهادي الجزّار (1925–1966).
تعرّف أحمد مرسي على عالم النقد الفنّي أثناء رحلاته وزياراته إلى البلدان العربيّة الأخرى. وحين انتقل إلى بغداد عام 1955، عمل مدرّساً للغة الإنجليزيّة ليؤمّن معيشته خلال إقامته التي استمرّت عامين. وما لبث أن انضمّ إلى الوسط الفنّي والأدبي المزدهر هناك حيث دعاه المؤلّف المسرحي العراقي يوسف العاني (1927–2016) إلى كتابة مراجعة فنّيّة لصحيفة "الأخبار" عن أحد المعارض، والتي لفت فيها الانتباه النقديّ إلى أعمال الفنّانين الناشئين.
ومع عودته إلى الإسكندريّة عام 1957، اجتمع مرسي مجدّداً بأحد أعضاء مدرسة الإسكندريّة المؤلّف المسرحي المصري ألفريد فرج (1929–2005). بعد ذلك، انتقل فرج إلى القاهرة فتبعه فيما بعد كلّ من مرسي والخرّاط. وهناك عاون مرسي فرج في إنتاج مسرحيّة الأخير "سقوط الفرعون" في المسرح القومي (الأزبكيّة سابقاً) عام 1957. أصبح مرسي أوّل مصريّ يتولّى تصميم الديكور المسرحي والأزياء المسرحيّة مستلهماً زي الفرعون من التحف والرسومات المعروضة في المتحف المصري. تولّى مرسي لاحقاً مشروع تصميم مسرحيّة "مأساة جميلة" (1962) للمؤلّف عبد الرحمن الشرقاوي والتي كرّمت جميلة بوحيرد المناضلة الوطنيّة الجزائريّة ضدّ الاستعمار الفرنسي. كما عمل مرسي إلى جانب الجزّار في دار الأوبرا بالقاهرة على تصميم ديكور مسرحيّة بعنوان "دفن الموتى" للكاتب الأميركي إروين شو.
ساهم مرسي خلال الخمسينيّات والستّينيّات في تطوير لغة نقديّة عربيّة ومدّ الجسور اللغويّة بين القراءات الشعريّة الوافدة من أنحاء العالم. ترجم مع الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي (1926–1999) في أواخر الخمسينيّات أعمالاً لكل من لويس أراغون وبول إلوار. وفي عام 1968، ساهم مرسي في تأسيس مجلّة "غاليري 68" الطليعيّة إلى جانب عشرة من الفنانين من بينهم الخرّاط وإبراهيم منصور وجميل عطيّة وسيّد حجاب (1940–2017) وذلك أثناء عمله مديراً فنيّاً فيها. كتب أحمد مرسي أيضاً مقالات باللغة الفرنسيّة عن الفن في مصر والفن في العراق لموسوعة "جراند لاروس" إضافة إلى مقالات في النقد وترجمات الشعر الأميركي المعاصر للمركز القومي للترجمة في مصر. وعندما حصلت زوجته أماني فهمي على وظيفة مترجمة عام 1974، انتقل مرسي مع عائلته إلى نيويورك. هناك، تدرّجت أماني فهمي حتّى أصبحت تشغل منصب مديرة دائرة الترجمة العربية في الأمم المتّحدة وترجمت المقدّمة الإنجليزيّة لكتاب عن الشاعر السكندري الشهير قنسطنطين كڤافيس إلى العربيّة في حين ترجم مرسي قصائده. وفي السبعينيّات والثمانينيّات، استغلّ مرسي وقته متنقّلاً بين مصر والولايات المتّحدة الأميركيّة في نشر كتاباته في النقد الفنّي في عدد من الدوريّات المصريّة واللبنانيّة والكويتيّة البارزة كصحيفتي "الوطن" و"الحياة".
تشمل أعمال مرسي البصريّة الأخيرة التصوير الفوتوغرافيّ الذي استخدمه لالتقاط صور المارّة بجانب شخوص منحوتة وموزّعة في مواقع مختلفة من مدينة نيويورك. تستكشف هذه الصور العفويّة طبيعة الواقع الإنساني والعزلة وسط التجمعّات المدينيّة من خلال التقاط اللحظات المتعاقبة من الازدحام والانزواء. ويواصل مرسي عرض أعماله في كل من الولايات المتّحدة الأميركيّة والشرق الأوسط وأوروبا ومصر ويحتفظ بدوره كشخصيّة بارزة في الأوساط الفنّيّة المعاصرة في القاهرة.
انشغل أحمد مرسي منذ بدايات مسيرته الفنّية بالقضايا الكبرى المطروحة في مصر حول مكانة المصريّين العاديّين في الثقافة والسياسة. وتشير أحجام الشخوص ومواضعها الرئيسيّة في لوحة "الصيّادون" (1956) إلى مقاربة الفنّان الحميميّة والشاعريّة لأبطاله أبناء البلد، كما تعكس الاهتمام المتعاظم الذي أخد الفنّانون المصريّون في تلك الحقبة يولونه للتفاصيل اليوميّة في حياة الفلّاحين وأبناء الطبقة العاملة المدنية. تصف الفنّانة والناقدة ليليان كرنوك موضوعات مماثلة في أعمال الجزّار كأحد النماذج المبكرة للأسلوب "الشعبي الواقعي" في مصر الأربعينيّات.
لقد لعب مرسي دوراً هامّاً في المزاوجة بين الممارسات البصريّة والأدبيّة في العالم الناطق بالعربيّة. وبينما كانت الدراسات حول الفن العربي الحديث ما تزال مستجدّة نسبيّاً، يدور أحد أبرز النقاشات التي تتضمّنها هذه الدراسات حول أهميّة كل من العبارة المكتوبة والتصوير المجازي في تعريف الفن العربي الحديث. ويعتبر مرسي الذي اتّسم بمقارباته الحيويّة للتلوين الزيتي وتصميم الكتب والشعر في آن واحداً من الفنّانين القلائل في المنطقة اليوم الذين تمكّنوا من تحقيق التقارب والتجاذب بين البصري والنصّي. ويَعتبر القيّم الفنّي سام بردويل هذا التوجّه في الممارسات الفنّيّة المصريّة المبكرة نتاجاً لحركة سورياليّة ذات خصوصيّة محليّة. من ناحيته، يطلق أحمد مرسي على أعماله النثريّة تسمية "الشعر الرمزي" تأثراً بالشعر الفرنسي في حقبة الخمسينيّات وبأعمال الشاعر الأميركي ويليام بليك على حد تعبيره. تشهد الشخصيّات في لوحة "العائلة" من عام 1969 على استمرار انشغال مرسي طيلة حياته بالرمزيّة والفن السورياليّ في مصر. ويؤكّد الشاعر والناقد الثقافي أحمد عبد المعطي حجازي السمات السرياليّة في أعمال مرسي المعاصرة من خلال الإشارة إلى المناشئ اللاواعية للعناصر التصويريّة.
إلى جانب تأثيره في حركة السورياليّة المصريّة، كان لمرسي أثر مهمّ في مجال النقد الفنّي في الشرق الأوسط إذا ساهم في إشعال النقاشات والمناظرات على صفحات الدوريّات العربيّة حول قيمة الفن البصري ومعانيه. وقد ألّف ونشر أوّل كتاب باللغة العربيّة عن بابلو بيكاسو في العام 1966 بعد مرور أقلّ من عشرين سنة على تعرّفه إلى أعمال الفنّان من خلال معرض له أقيم في الإسكندريّة. كما ساهم عمله في الترجمة بتعريف الأوروبيّين إلى التواريخ المحليّة والإقليميّة للفن العربي الحديث من خلال كتاباته في الموسوعات الفرنسيّة ما عزز الروابط والجسور الثقافيّة بين النقّاد ومؤرّخي الفن والفناًنين في العالم.