السيرة الذاتيّة
السنوات الأولى والانتقال إلى الأرجنتين
وُلدت لبيبة زغبي عام 1890 في مدينة ساحل علما، وهي مدينة ساحلية شمال بيروت تبِعَت لمتصرفّية جبل لبنان العثمانية. عُرفت بين أقاربها وأصدقائها باسم بيبي، ثم تبنّت هذا اللقب في حياتها المهنيّة، وبدأت بعرض لوحاتها في ثلاثينيّات القرن العشرين. تنتمي زغبي إلى عائلةٍ مارونيّة ميسورة الحال من الطبقة المتوسّطة. تلقّت تعليمها في "مدرسة العائلة المقدسة" للبنات، التي أسّستها راهبات كاثوليكيّات فرنسيّات عام 1898 في جونيه، مدينة ساحلية مركزيّة مجاورة لمسقط رأسها. حافَظت عائلة زغبي على علاقات مع الشتات اللبناني في الأرجنتين، التي كانت في مطلع القرن العشرين واحدة من الوجهات الرئيسيّة لآلاف المهاجرين الذين غادروا بلاد الشام إلى أوروبا وإفريقيا والأميركيتين، بهدف الهروب من المصاعب الاقتصاديّة والاضطرابات السياسيّة.
في عام 1906، رتّب والدا زغبي زواجها من دومينغو ساماجا، وهو رجل أعمال أرجنتينيّ من أصل لبناني كان يعيش في سان خوان حيث استقرّا. بعد بضع سنوات، أصبحت زغبي مواطنة مُجنّسة. في أوائل عشرينيات القرن العشرين، سافرت زغبي وزوجها إلى أوروبا، حيث تردّدا على الدوائر الفنيّة الطليعيّة. وفي باريس، صادَقت زغبي تامارا دي ليمبيكا (1898–1980)، رسامة بولنديّة منفيّة، كانت على عتبة تحقيق نجاحها الكبير لدى عرضها في "صالون المعرض الدولي للفنون الزخرفية والصناعية الحديثة" عام 1925، الحدث الذي دفَع بفن "الآرت ديكو" إلى الساحة العالمية. قبل ذلك بعامين، كانت دي ليمبيكا قد صوّرت بورتريه حسيّ لبيبي بعنوان "الخلفية الوردية"، صوّرت فيها صديقتها الأنيقة سارحةً في أفكارها وعيناها تحدّقان في الفراغ.
المعارض الأولى في الأرجنتين والسفر إلى فرنسا والسنغال
انجذبَت زغبي في البداية إلى دراسة الأدب، لكن ارتباطها بالدوائر الفنيّة قد حرّضَ اهتمامها بالرسم. في أوائل الثلاثينيات، وبعد وفاة ابنها طفلاً وانفصالها عن زوجها، كرّست نفسها لتصبح فنانة. غادرَت سان خوان إلى بوينس آيرس، حيث عاشت مستقلّةً لبقية حياتها المهنية، وتلّقت دروساً في الرسم على يد الرسامة اللبنانية الفرنسيّة شهاب ورسامٍ بلغاري.
أُُقيم أوّل معرض فرديّ للفنانة في العاصمة الأرجنتينية عام 1934 في غاليري ويتكومب المرموقة. حضرَ الافتتاح أغوستين بيدرو خوستو الذي كان رئيس الأرجنتين آنذاك، والصحفيّ والكاتب الإيطالي فرانشيسكو تشيكوتي، المُعارض البارز للفاشية الذي لجأ إلى الأرجنتين. خصّص تشيكوتي مقالاً نقديّاً لزغبي، مُبرزاً إياها منذ البداية كفنانة قادرة على الدخول إلى دوائر مؤثرة. سجّل هذا المعرض الأول أيضاً ظهور تركيزها على موضوع النباتات، وهو ما سيميز مسيرتها الفنية بأكملها. غالباً ما صوّرت أعمال زغبي المبكّرة باقات الزهور، وبحلول منتصف الثلاثينيات، توسّعت لتشمل النباتات البريّة والمزروعة من الأرجنتين وغيرها من البلدان التي سافرت إليها بما فيها لبنان. أكسبَها تصويرها الغزير للمفردات النباتيّة لقب "رسامة الزهور" في الأرجنتين وغيرها من البلدان الناطقة بالإسبانية. إلى جانب ذلك، غالباً ما طغى هذا اللقب على إسهاماتها الهامّة في مختلف التنويعات، خصوصاً البورتريه والمنظر الطبيعيّ وسلسلة بارزة عن المجتمع والطبيعة في السنغال.
"رسّامة الزهور"، حداثة زغبي وموضوعاتها المحوريّة
مع أنّ لوحات زغبي تعكس تشابهات مع الحركات الأوروبية من أوائل القرن العشرين، ولا سيما التفكيكات الهيكليّة التكعيبيّة والحدة اللونيّة الوحشيّة، إلّا أنها لم تتتبع أيّ تيّار فنيّ محدد. بدلاً من ذلك، جسّدت روحاً حداثيّة أوسعَ نطاقاً تمحورَت حول البحث عن التعبير الشخصيّ والتجديد الشكليّ. طوّرت أسلوباً بصريّاً مميزاً تميّزَ بضربات فرشاة إيحائيّة، وتكوينات مكانيّة مسطّحة، وخطوط محيطيّة دقيقة، واهتمام بالتفاصيل، حتى عندما أتت الأشكال مبسّطة.
كثيراً ما لوّنت زغبي بتدرجات لونيّة متقاربة على خلفيات ملساء أحادية اللون، مؤكّدة على فصل العناصر عن سياقها المعتاد لإبراز شكلها وخصائصها المميزة بجرأة ووضوح. رسَمت زغبي على نطاق واسع من الأحجام، بدءاً من المشاهد المقرّبة للتفاصيل النباتيّة، كالأوراق والمدقّات والبتلات، وصولاً إلى لوحات يبلغ طولها عدة أمتار، ملأتها بالكامل بموتيڤات تفصيليّة دمجت فيها بين التشريح والتصميم الزخرفيّ.
نظرَت زغبي إلى النباتات على أنها مُعبّرة وحيوية، فغمرَت أعمالها بإيقاعيّة وكثافة تتحديان السكون. وصفت نفسها أنها "رسامة روح النباتات"، ما أوحى برغبتها في منحها بعداً ميتافيزيقيّاً. في الواقع، تضفي لوحاتها عن الطبيعة على النباتات شخصانيّة، فإبر الصنوبر والشوك والصبار، على سبيل المثال، تبدو حادّة أو عدوانيّة، بينما قد تأتي الورود والأوراق دافئة ورقيقة مستحضرةً الشجيرات المزهرة الأمل بطريقة تذكرنا بالرمزية الفيكتورية للزهور، حيث رمزَ كلّ منها إلى عاطفة إنسانيّة. بالمثل، تنقل بورتريهات زغبي ومشاهدها عن الحياة الريفية مشاعرَ ومواقف وحالات ذهنيّة للنساء السنغاليات اللواتي جلسن أمامها، مثل الفخر والهدوء والحزن.
زارت الفنانة السنغال في الأعوام 1936 و1937 و1947، حيث رسمَت قراها وطبيعتها ومجتمعها. وشارَكت في معارض جماعيّة هناك، بما في ذلك صالون جمعية أصدقاء الفنون عام 1937. تزامنت رحلاتها الأولى إلى داكار مع إقامتها في باريس، حيث استقرت مؤقتاً بعد معرضها الافتتاحي عام 1934 في بوينس آيرس. وسرعان ما احتضنها الوسط الفنيّ الباريسيّ، ففي عام 1935، أقامت معرضاً فرديّاً في غاليري شاربنتييه، فضاء مخصّص للفن القديم والحديث، يقع في شارع فوبور سان أونوريه المرموق، وحظي المعرض بإشادة من الشاعر والروائيّ والناقد الفنيّ الفرنسي البارز كاميل موكلير (1872–1945).
عادت زغبي إلى بوينس آيرس عام 1938. أقامت ذلك العام معرضاً آخر في غاليري ويتكومب. وكلّفها متحف العلوم الطبيعية في المدينة برسم لوحة بزهور بطول ستة أمتار، وهو ما يُعدّ مثالاً على الرعاية الرسمية التي أكّدت مكانتها الرفيعة في الأرجنتين. امتدّت شهرة زغبي لتشمل الأميركيتين، حيث أقامت معارض في البرازيل وأوروغواي وكوبا والولايات المتحدة.
أسفار ما بعد الحرب العالمية الثانية والعودة إلى لبنان الوطن
أمضت زغبي الحرب العالمية الثانية في الأرجنتين، ثم استأنفت رحلاتها عبر القارات عام 1947. قضَت أوقاتاً في باريس، حيث عُرضت أعمالها في "بيت أميركيا اللاتينيّة" مؤسّسة أسّسها الجنرال ديغول في العام الذي قد سبَقَ تقديراً لمساهمة أميركا اللاتينية في الحرب ضد ألمانيا النازيّة. عادت الفنانة أيضاً إلى داكار للرسم والعرض، وإلى لبنان حيث احتُفي بها. في أكتوبر من عام 1947، حلّت ضيفةَ شرف على جمعية "سيناكِل ليبانيه"، وهي جمعية تأسّست عام 1946 لتعزيز الحوار الثقافيّ والفكريّ حول الهويّة الوطنيّة من خلال الأدب والفنون والانخراط المدنيّ. افتتح النادي دورته السنوية من المؤتمرات بتكريم لها من قبل الصحفي رشدي معلوف، قبيل افتتاح معرضها في المتحف الوطني ببيروت. (مراراً ما استضاف المتحف، المتخصص بالآثار، معارضَ فنيّة مؤقتة للفن الحديث والمعاصر). حظيت زغبي بشهرة واسعة في الأوساط الفنيّة والثقافيّة اللبنانيّة، التي اعتبرتها مثالاً للنجاح اللبناني في الخارج. عُرضت أعمالها ضمن معرض كبير ضمّ رسامين ونحاتين لبنانيين تاريخيين ومعاصرين، أقيم في مقر اليونسكو في بيروت في نوفمبر 1948. نُشرت أول أطروحة عنها في بيروت عام 1951 بقلم الشاعر ورجل الأعمال البارز الناطق بالفرنسية شارل قرم (1894–1963). امتد تقدير الرسامة في لبنان إلى التكريمات الرسمية، حيث مُنحت عام 1947 وسام الأرز الوطني، وهو أعلى وسام استحقاق في الجمهورية.
رسامة في قلب الحياة الثقافية الأرجنتينية
على الرغم من شهرة زغبي وشبكة علاقاتها الواسعة في لبنان، حيث أقامت أيضاً معرضاً عام 1963 في مقرّ صحيفة لوريان، إلّا أن حياتها وفنها تجذّرا في الأرجنتين. كان مرسمها في بوينس آيرس باساجا سيڤر، الذي استضافت فيه بانتظام لقاءَات يوم الأحد، مركزاً اجتماعيّاً للفنانين والمثقفين والسياسييّن الأرجنتينيين والمهاجرين. ضمّت دائرة زغبي كلّ من الراقصة مارغريتا والمان (1901–1992) والرسامة مارييت ليديس (1887–1970) والشاعرة ألفونسينا ستورني (1892–1938) والروائية سيلفينا بولريش (1915–1990)، اللواتي أصبحن صديقات مقربات لها، بالإضافة إلى رسامين ونحاتين مثل أنطونيو بيرني (1905–1981) وراؤول سولدي (1905–1994) وإنريكي دي لارانياغا (1900–1956) وراكيل فورنر (1902–1988). وفي أحد لقاءات يوم الأحد، التقت بينيتو كينكيلا مارتن (1890–1977)، رسام الموانئ الأرجنتيني الشهير، الذي ربطتها به علاقة وثيقة لعقود.
استمرت زغبي في عرض أعمالها في الأرجنتين والعالم حتى سبعينيات القرن العشرين، حيث أقامت معارض بارزة في واشنطن العاصمة ومونتيفيديو وريو دي جانيرو. توفيت في مار ديل بلاتا في الأرجنتين عام 1975.