السيرة الذاتية
إلياس الزيات فنانٌ ومرمّمٌ فنيٌّ سوريٌّ، وُلد لعائلةٍ مسيحيةٍ في حيّ باب توما المسيحيّ بدمشق. بدأ الرسم والعمل في اللوحة في المدرسة الابتدائيّة. في عام 1952، في السابعة عشرة من عمره، انضمّ إلى مرسم الفنان الرائد ميشيل كرشة (1900–1973)، الذي درس في باريس في عشرينيّات القرن الماضي. اتّبع تعليمه في مرسمه على مدى السنوات الثلاث التاليّة. رافق الزيّات كرشة في رحلات إلى معلولا (مدينة مسيحيّة عريقة رسم فيها الفنانان لوحات من الطبيعة)، وفي معارض نظّمتها جمعيّات فنيّة. شملت هذه الانطلاقة اكتشاف تقنيّات الرسم واللوحة وعالم الفنّ ومعارض متنوّعة. استوحى زيات لوحاته الأولى من أسلوب كرشة الانطباعيّ، الذي كان رائجاً آنذاك في سوريا.
في أواخر خمسينيات القرن العشرين، لم تكن قد تأسست بعد مدرسة فنيّة في سوريا، وكان الفنانون يتابعون تعليمهم العالي في الخارج. مُنح إلياس الزيات منحة دراسيّة لمدة أربع سنوات (1956–1960) للدراسة في الأكاديميّة الوطنيّة للفنون في صوفيا مع الفنانين إيليا بتروف (1903–1975) وبوريس ميتوف (1891–1963). في مقالها المنشور في كتاب "مدن وأساطير" عن إلياس الزيّات، تُشير المؤرّخة الفنيّة سلوى مقدادي إلى أن الفنانين في الأكاديميّة انقسموا إلى مجموعتين: أتباع مدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة، ومن دافعوا عن الذاتيّة في الفن. كان الزيّات من أتباع هذه المدرسة. رسم البورتريهات والمناظر الطبيعيّة والطبيعة الصامتة. خلال تلك الفترة، سافر إلى باريس وبروكسل في أوروبا الغربيّة. خلال هذه الرحلات، زار العديد من المتاحف والمعارض الفنيّة، واستلهم أعمال فنانيّ ما بعد الانطباعيّة. استلهم لوحاته من أعمال هنري ماتيس وبول سيزان، مستخدماً ألواناً دافئة بلمسة تعبيريّة. كما استلهم عناصر تركيبيّة من أعمال فاسيلي كاندنسكي، وأعمالاً من كتابات الأخير عن الروحانية في الفن.
عندما اتّحدت سوريا ومصر لتكوين الجمهوريّة العربيّة المتّحدة بين عامي 1958 و1961، توقّف عن متابعة دراسته. ومثل العديد من الفنانين السوريين من جيله، واصل دراسته في القاهرة. كانت تلك الفترة محفّزة للفنان الشاب، إذ زار العديد من المتاحف وتعرّف على الحضارات والأيقونات التي تركت بصماتها عليه. تخرّج من جامعة عين شمس عام 1961.
بعد عودته إلى سوريا، رسم أقاربه وأشخاص آخرين والمناظر الطبيعيّة المحيطة به ومشاهد من الحياة اليوميّة والأسواق وتلال الغوطة. أعاد التواصل مع جذوره ووطنه، إضافةً إلى تراثه المسيحيّ. في أوائل ستينيات القرن العشرين، أثّر اهتمامه بالأيقونات وعلم الأيقونات واللاهوت المسيحيّ في أعماله. وقد شاركه في هذه الأبحاث الباحثة عن هويّة فنية جيله من الفنانين العرب والسورييّن الذين سعوا لاستكشاف تراثهم (وليس مذاهب ومدارس الفنّ الغربيّ).
سواءً كانوا أقارب أو قديسين أو شخصيّات تاريخيّة أو أسطوريّة، تبدو الشخصيّات التي رسمها مُشتركةً في النظرة العميقة الموحّدة. عيون بنيّة واسعة محاطة بالأسود، تُذكرنا بشخصيّات أثريّة من ماري، ووجوه مستوحاة من تماثيل وأيقونات تدمر. يظهر في جميع أعماله تمثيل العين وسؤال النظرة.
أُنشئت كليّة الفنون الجميلة التابعة لجامعة دمشق في أوائل ستينيات القرن الماضي. وفي عام 1962، عُيّن إلياس الزيات أستاذاً مساعداً قبل أن يُصبح أستاذاً متفرّغاً عام 1980. مكّنه هذا المنصب من تعميق معرفته بالفنّ السوريّ القديم، بالإضافة إلى المواقع الأثريّة والمناظر الطبيعيّة من مناطق أخرى. في الكليّة، التقى جويدو لا ريجينا (1909–1995)، وهو رسام تجريديّ إيطاليّ قام بالتدريس هناك من عام 1965 إلى عام 1967. دفع هذا اللقاء زيّات إلى الخوض في التجريد لعدّة سنوات قبل أن ينصرف عنه. يضم المتحف الوطنيّ في دمشق أعمالاً من تلك الفترة. عاد إلى التشخيص بعد هزيمة سوريا في حرب عام 1976 التي تأثّر بها الفنانون السوريّون تأثّراً بالغاً، ونُظمت معارض في دمشق دعماً للمقاتلين والشهداء بين عامي 1968 و1969 شارك فيها الزيّات بعمليه "الأرض الطيّبة" و"عودة الشهيد". يرى الناقد الفنيّ السوريّ طارق الشريف أن الزيّات اكتشف أسلوبه عام 1968. ويُحلل بنية لوحات الفنان وعموديّتها، بحركة تمتدّ من أسفل اللوحة إلى قمّتها، "فتخلق عالمين متداخلين، الأوّل متشائم يتحول في الثاني إلى قفزة في جو متفائل وانطلاقة" كما كتب الناقد في كتالوك معرض "ستة فنانين سوريين"، وهو معرض أقيم في المركز الثقافي العربي بدمشق عام 1972. يستخدم هذا الأسلوب الجديد، الأكثر تعبيريّة، التصوير ليوحّد بين العوالم التاريخيّة والأسطوريّة، حيث تمتزج الشخصيّات الحيوانيّة والبشريّة والإلهيّة بالعمارة والآثار. لم تعد الحضارات والبلدان تعرف حدوداً، فكلّ تلك العناصر تمتزج وتتشابك. تُتيح اللّوحة فرصةً لدمج هذه الطبقات المختلفة من الحلم والواقع، الحقيقيّ والمتخيّل. يمزج عمله التراث السوريّ الغنيّ، بما في ذلك التقاليد والأيقونات المتنوّعة، مع تأثيرات من بابل وبلاد ما بين النهرين والتقاليد الصوفيّة والأيقونات البيزنطيّة. يستلهم أعماله من التاريخ والأساطير والمراجع الأدبية للكتاب والشعراء العرب، مثل جبران خليل جبران، بالإضافة إلى مصادر روحية مثل تعاليم ابن عربي الصوفية. وقد ألهمته جميع هذه الأبحاث في تاريخ الفن واللاهوت السوري في أعماله الفنية، كما أنتج بحثاً ذا شأن.
بالتوازي مع ممارسته للفن والكتابة، بدأ الزيات بالتدرّب على ترميم الأعمال الفنية عام 1973 في أكاديمية الفنون الجميلة في بودابست، هنغاريا. مارس هذه المهنة طوال حياته، حيث رمم اللوحات الجدارية والأيقونات في الكنائس، بالإضافة إلى الأعمال الحديثة. تشهد مشاركته في تنظيم معرض "إحياء ذاكرة الفن التشكيلي في سورية" في متحف دمشق عام 2008، إلى جانب المقدّمة التي كتبها للكتالوك، على علاقته بماديّة الأعمال المعاصرة. لقد سلط الزيّات الضوء على سوء حالة الحفاظ على الأعمال الموجودة في مجموعة الفن الحديث بمتحف دمشق، وأكد ضرورة ترميمها.
لم يكن فنّ إلياس الزيات ضرورياً للمشهد السوريّ الحديث فحسب، بل انضمّ أيضاً إلى مجتمع الفنانين السورييّن الذين شاركوا منذ الستينيات فصاعداً بشكلٍ فاعل في إحياء الفن والتفكير فيه ومكانة الفنان في المجتمع. أسّس مع نصير شورى (1920–1992) ومحمود حمّاد (1923–1988) "جماعة د أو جماعة دمشق" عام 1965. وشارك بعد ذلك في تأسيس "جماعة العشرة". تشاركت هذه الجماعة التي ضمّت الفنانين أسعد عرابي (1941–) وغياث الأخرس (1937–) ونعيم إسماعيل (1930–1979) ونذير نبعة (1938–2016) رؤيةً مشتركةً للفن العربيّ الحديث باحثةً عن هوية.
في سنواته الأخيرة، تكرّر موضوع الطوفان في أعماله، مُجسّداً الحرب الأهليّة في سوريا. أعمالٌ فنيةٌ مثل "الطوفان، الآلهة تهجر تدمر" (2012) و"بعد الطوفان" (2015)، التي عُرضت في غاليري غرين آرت في دبي عام 2015، تُجسّد رؤيته للعالم وأمله في مستقبلٍ تغيب فيه الفوضى لصالح التجديد.