tbc

فادي برّاج

بقلم ماري تومب

Fadi Barrage

فادي برّاج

مولود عام 1940 في بيروت لبنان

متوفّى فيها عام 1988

المشاركة مع صديق

نبذة

كان فادي برّاج (1940–1988) فنّاناً لبنانيّاً جمعَ بين تأثيراتٍ فلسفيّة وفنيّة غربية قديمة وحديثة. درسَ في جامعة شيكاغو، وأمضى بعض الوقت في باريس، ثم عاد إلى لبنان، ليُصبح محورياً في المشهد الفنيّ في بيروت في سبعينيات القرن الماضي. متأثراً ببول كلي والأساطير اليونانيّة، مزجَ برّاج أسلوبه الانتقائيّ بين الطبيعيّة والتكعيبيّة والتعبيريّة التجريديّة. دمّرَت الحرب الأهليّة اللبنانيّة مرسمه، وأجبرته على الهجرة، لكنه واصل رغم ذلك إبداعَ أعمال فنيّة من لوحاتٍ ورقيّات مستكشفاً الوحدة والغموض ومتحديّاً المحرّمات المجتمعيّة. تُعرض أعماله الفنيّة الهامّة في مجموعات فنية بارزة، ما يُؤكد إرثه الفني رغم رحيله المبكر.

tbc

فادي براج، خطط، بدون تاريخ، ألوان مائية على ورق، 50 × 70.5 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

السيرة الذاتيّة

سنوات التأسيس بين بيروت وشيكاغو وباريس

وُلد فادي برّاج لعائلة سنيّة ثرية من التجار في بيروت، وتابع تعليمه الثانويّ في ثانوية برمّانا، وهي مدرسة داخليّة للبنين تقع قرب العاصمة اللبنانية والتعليم فيها باللغة الإنجليزيّة. في عام 1960، التحقَ بجامعة شيكاغو لدراسة الأدب الكلاسيكي. يعكس هذا المسار الفرص التي أتاحتها له خلفيته الاجتماعيّة ذات الامتيازات في فترة كانت فيها أوروبا الوجهة المعتادة لخريجيّ الثانوية العامة اللبنانيين الساعين للحصول على شهاداتهم في الخارج.

بعد إتمام دراسته الجامعية، انتقل برّاج إلى باريس، حيث أقام لمدة أربع سنوات. هناك، واصل تعميق اهتمامه بالفلسفة وبدأ بممارسة الفن بشكل مستقلّ خارج الأطر المؤسّسية التقليدية. طرَحَت أعماله المبكّرة من منتصف الستينيات مواضيع تكرّرت طوال مسيرته الفنيّة، مثل الاغتراب والصراع الداخلي المرتبطين بتجربته الشخصيّة والتحديات التي واجهها كرجل يحاول تجاوز الأحكام المسبقة المتعلّقة بالتوجّه الجنسيّ في المجتمع اللبناني. تناول هذه المواضيع بأساليب غير مباشرة في أعماله التأمليّة الورقيّة أو القماشيّة، التي مراراً ما استحضرَت اليونان القديمة واتّسمت بخطوط متقاطعة متفاوتة الثخن وبأصباغ متعدّدة الطبقات وتدرّجات لونية. في هذه الأعمال المبكّرة، تُشير الشخصيات ثنائية الجنس ذات الوضعيات الجامدة والتعبيرات الغامضة التي تُذكرنا بالفن المينوي والميسيني، إلى استحالة التعبير الصادق عن الذات والتواصل مع الآخرين. في الوقت نفسه، تُشير البُنى المعماريّة المغلقة إلى العزلة.

التحول إلى صوت مميز في المشهد الفني في بيروت

في عام 1968، عاد برّاج إلى بيروت وأنشأ مرسمَه في قلب المدينة، في منطقة باب إدريس، منطقة حيويّة على مقربة استراتيجية من الأماكن الثقافية البارزة وفضاءات العرض. وقد طور علاقات وثيقة مع العديد من الشخصيّات التي لعبت أدواراً هامّة في تشكيل المشهد الفنيّ التجريبيّ في بيروت خلال سبعينيات القرن العشرين، مثل الرسام والمصمّم اللبناني جورج دوش (1914–2018)، والرسامة السورياليّة الفلسطينيّة جوليانا سيرافيم (1934–2005) والفنانة متعدّدة الوسائط السوريّة الأميركية سيمون فتال (مواليد 1942). أقام برّاج معرضه الشخصيّ الأوّل في بيروت في مقر صحيفة "لوريان – لوجور" في العام ذاته الذي استقرّ فيه مرة أخرى في المدينة. قوّى سمعته من خلال عروض فرديّة في أماكن رائدة مثل "غاليري وان"، وهي فضاء عرض رائد للفن العربي المعاصر في لبنان، وفي المركز الفنيّ والثقافي المؤثر "دار الفن".

تناولت معارض برّاج الأولى في بيروت بشكل متكرر مواضيع الصراع الداخلي والإقصاء الاجتماعي، لا سيما تلك المتعلّقة بتجاربه. إلّا أن تلك الإشارات ظلّت مشفّرة في تعابير رمزيّة، نظراً للقمع القانونيّ والاجتماعيّ والثقافيّ السائد في لبنان آنذاك. انطبَعت هذه الفترة باستكشافه المفردات البصريّة المتنوّعة كأدوات للتعبير عن العمليات الاستبطانيّة الشخصيّة والعواطف والحالة الذهنيّة. تميّزت بعض لوحاته بتدرجات الألوان التي ملأت كامل سطح العمل والمندمجة مع بعضها البعض، تتخللها خطوطٌ متعرّجة تذكّرنا بالكتابة الآليّة. وخلافاً لذلك، تضمّنت أعمالٌ أخرى أشكالاً عضويّة بألوان مشبعة تطفو على خلفيّات بيضاء. كما عرض لوحاتٍ عبّرت فيها الأشكال التجريديّة، التي تُلمّح في آنٍ واحد إلى النباتات النامية وتشريح الذكر، عن الرغبة بشكلٍ أوضح. رُسمت هذه اللوحات بدرجاتٍ لونيةٍ باهتة من الأحمر والترابي الفاتح والتي تذكّر باللحم البشري وسوائل الجسم، وهي مجموعة لونيّة أعاد استخدامها في كثيرٍ من أعماله اللاحقة. ابتداءً من تلك النقطة، واصل برّاج أيضاً تحقيقاً تقنيّاً للإمكانات التعبيريّة للوسائط المتعددة داخل تركيبة واحدة، مثل الألوان المائية والغواش والتمبرا والزيت والحبر على القماش وكذلك على أوراقه ودفاتره، والتجريب مع الطبقات والشفافية لتوليد الملمس والعمق.

الأطر المفاهيميّة والمرجعيات الجمالية لدى برّاج

قدّم الفلاسفة اليونانيون القدماء، الذين درسهم برّاج في الجامعة، أساساً نقديّاً لتوجهه المفاهيميّ، ولا سيما كتابات أفلاطون وأرسطو في الميتافيزيقيا وعلم الجمال. كما قاده بحثه الفلسفيّ إلى دراسة المفكرين المعاصرين، مثل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889–1976) صاحب كتاب "أصل العمل الفني" (1950) الذي أثّر فيه تأثيراً عميقاً. ساهمَت نظرية هايدغر للفن كعملية تكشف عن جوانب خفية من "الوجود" من خلال تفاعل الشكل والمادة في تشكيل فهم برّاج للخلق كفعل كشفٍ لا كفعل تمثيل.

عكست ممارسات برّاج الفنية التوجّه ذاته الذي تأثّر به في فلسفته، حيث وُجّهَت بانخراطه الواسع في تاريخ الفن الأوروبي. استقى برّاج من مراجع تاريخيّة بصريّة منتقاة، بدءاً من الفن والعمارة لليونان القديمة ووصولاً إلى تقنيات الحفر لدى رامبرانت. كما تأثر بالواقعيّة في القرن التاسع عشر، التي تتجلى تصاويرها غير المجمّلة للبشر في بيئاتهم اليومية في أعمال برّاج. ومع ذلك، كانت أسّسه الفنيّة متجذّرة في الحداثة. فقد استقى من تفكيك التكعيبيّة للأشكال ثلاثيّة الأبعاد وتحويلها إلى أشكال هندسيّة أساسيّة، إلى جانب تيارات متنوعة من الفن غير التشخيصيّ في القرن العشرين.

علاوة على ذلك، استشهد برّاج بالفنان السويسري الألماني بول كلي (1879–1940)، الذي تعرّف على أعماله وكتاباته لأوّل مرة في باريس منتصف ستينيات القرن العشرين والتي تركت أثراً بالغاً على بحثه الفكري والفني. لقد شعرَ بتقارب مع مشروع كلي الفنيّ التعدّديّ والتجريبيّ، فضلاً عن مفهومه للفن كوسيلة لإلقاء الضوء على أبعاد الوجود الخفيّة وكشف حقائقه الجوهرية.

النزوح في زمن الحرب والتأملات في المنفى

أثّرت الحرب الأهلية اللبنانية، التي اندلعت عام 1975، تأثيراً عميقاً على حياة برّاج الشخصيّة والمهنيّة. ففي عام 1976، تعرّض استوديو باب إدريس لأضرار بالغة خلال النزاع المسلّح، مما أدى إلى فقدان جزء كبير من أعماله. ولمواجهة استحالة البقاء وسط بيروت، انتقل برّاج إلى الروشة (منطقة على الساحل الجنوبيّ للمدينة) وبعد بضعة أشهر، اختار مغادرة لبنان. أقامَ في الإسكندرية لبضعة أشهر، ثم انتقل لفترة وجيزة إلى إسطنبول، واستقر أخيراً في أثينا حوالي عام 1980.

حفّزت هذه الفترة الطويلة من النزوح تأملاتٍ أعمق في موضوعي المنفى واليأس. صوّر الكثير من أعمال برّاج الفنية، خلال فترة إقامته في إسطنبول وفي سنواته الأولى في أثينا، شخصياتٍ مجهولة الهويّة في حالة احتجاز أو عزلة، كاللاجئين والصبية الصغار ذوي الوجوه الكئيبة في بيئات منزليّة مغلقة والبالغين الذين يتقبّلون مصيرهم ويتحدّونه في الوقت نفسه، وجوههم تحمل آثار التقدّم في السنّ وصراعات الحياة. وتُجسّد هذه الصور الشخصيّة المجهولة الهويّة والشخصيّات الخياليّة تماهي برّاج مع الأفراد المهمّشين والنازحين قسراً.

استمرارية برّاج الموضوعاتيّة ومفرداته البصريّة

طوال مسيرته الفنيّة المتجوّلة، التي انقطعت فجأة بسبب المرض عام 1988، كثيراً ما تناول برّاج موضوعات العزلة والشعور بالوحدة والألم والتي كانت متجذّرة في تجاربه الشخصيّة في المنفى والتهميش الاجتماعيّ في البيئات المحافظة. كما عبّر بصريّاً عن تأمّلاته الجوهريّة حول المرض والموت، وهي مواضيع لامست واقعه بقوة، خصوصاً بعد تشخيص إصابته بفيروس نقص المناعة البشريّة. لم يتّبع برّاج مساراً واحداً في مسيرته الأسلوبيّة، إذ غالباً ما أعاد النظر في استراتيجياته البصريّة السابقة، وتذبذب بين التجريد والتشخيص والأنماط التي تجمع بين عناصر كليهما. يكمن وراء هذا التنوّع الأسلوبيّ الواضح بحثٌ متواصل في تفاعل التسجيلات الشكليّة المتميزة المشبعة بمحتوى رمزيّ، بمرجعيّة ذاتيّة غالباً، لكن منفتحة على قراءات وجودية أوسع. غالباً ما تميّزت لوحات برّاج وأعماله الورقية بأشكال تجمع بين العضوية والتجريديّة. تستحضر أحياناً كائنات حية، بدءاً من الكائنات وحيدة الخلية ووصولاً إلى حيوانات كالطيور، وهياكل مُبتكرة تُجسّد الإنسان. تثير النُظم المتشابكة من الأنفاق والدوامات تشويشات عاطفية، بينما ترمز الدوائر الساطعة إلى الشمس وتمثل الأمل. تصبح المربعات أطراً تُحيط بالبشر وتعزلهم مجازياً. تتفاعل هذه العناصر المجرّدة غالباً مع أشياء مشحونة برمزية، مثل الصناديق التي تُشير إلى آليات الإخفاء والعزل الاجتماعي والنوافذ التي تُشير إلى الرغبة في الهروب أو التسامي والأقفاص كاستعارات للاحتجاز المجتمعيّ والنفسيّ. تظهر أيضاً شخصيات بشريّة، مجهولة الهويّة غالباً وغير مكتملة برؤوس أو أطراف مفقودة، مما يوحي بشعور مُزعزع أو مُبهم بالذات. تهيمن الشخصيات الذكورية العارية غالباً، مُستحضرةً مواضيع الرغبة المُبهمة أو الحميمية المُستحيلة، عاكسةً صراع برّاج مع الهوية والقمع الاجتماعي.

أثناء وجوده في أثينا، أنتج برّاج أيضاً سلسلة مميزة من اللوحات التصويريّة الصريحة التي تبتعد بشكل ملحوظ عن السمات الشخصيّة والمجازيّة لأعماله الفنيّة الأوسع. نفّذ هذه الأعمال بأسلوب مسطّح مع خطوط سوداء حازمة تُبرز مناطق من اللون المسطح، وهي تُجسّد الرغبة بوضوح. يشير وضوح محتواها وإشارتها إلى الكليشيهات البصريّة المرتبطة بالهوية اليونانية، مثل العمارة القديمة واللون الأزرق، إلى سياق إنتاجي مُوجّه إلى السوق السياحية وشبكة المغتربين الناطقين باللغة الإنجليزية التي تفاعل برّاج معها.

غادر برّاج اليونان إلى قبرص عام 1986، ثم عاد إلى بيروت في العام التالي، حيث أقام معرضين. توفي عام 1988 بعد صراع طويل مع مرض الإيدز.

tbc

فادي براج، تركيبة، بدون تاريخ، ألوان مائية على ورق، 29.5 × 41.5 سم. متحف: المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة.

معارض مختارة

معارض فردية

1988

غاليريÉpreuve d'artiste، الكسليك، لبنان

1987

غاليريÉpreuve d'artiste، الكسليك، لبنان

1980

غاليري رانكونتر، بيروت، لبنان

1974

غاليري مودولار، بيروت، لبنان

1972

غاليري دار الفن، بيروت، لبنان

1971

غاليري وان، بيروت، لبنان

مقر صحيفة لوريان، بيروت، لبنان

1968

مقر صحيفة لوريان، بيروت، لبنان

معارض جماعية

2022

دوش، سيرافيم، وبرّاج: A Search for The Fantastic، غاليري أجيال للفنون، بيروت، لبنان.

2019

(Nothing But) Flowers، غاليري صالح بركات، بيروت، لبنان.

حوار: جورج دوش وفادي براج، ألترناتيف آرت سبيس، بيروت، لبنان.

2013

تجريد: مختارات من الفن التجريدي العربي 1908–1960 منصة الفن المعاصر، مدينة الكويت، الكويت.

1988

فنانون لبنانيون معاصرون، غاليري كوفا، لندن، المملكة المتحدة.

المراجع

دافيديان، إدغار، جورج دوش وفادي براج: peinture, amitié et dolce vita beirouthine، لوريان لو جور، 13 فبراير 2019، تم الاطلاع في 15 ديسمبر 2024 https://www.lorientlejour.com/article/1157126/georges-doche-et-fadi-barrage-peinture-amitie-et-dolce-vita-beyrouthine.html

فاني، ميشيل، قاموس الرسم اللبناني، باريس: ليسكالييه، 1998.

------ فادي برّاج، باريس: الغاليري اللبنانية، 2002.

سلطان، فيصل، غياب فادي برّاج الفنان الشاهد والفنان الضحيّة، السفير 29 يناير 1988

قراءات إضافية

(فادي براج (1940–1988)، ألف لام، 12 سبتمبر 2016، تم الاطلاع في 6 نوفمبر 2025 https://aleph-lam.com/2016/09/12/%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AC-1940-1988 /

لابان، كريستين، فادي براج، مؤسسة دلول للفنون، تم الاطلاع عليه في 15 ديسمبر 2024 https://dafbeirut.org/en/fadi-barrage

تومب، ماري، وآخرون، الفن من لبنان: الفنانون الحديثون والمعاصرون 1880–1975 المجلد 1، تحت إشراف نور أبيللاما، بيروت: إصدارات وندرفول، 2012.

ماري تومب، الحرب/الهويات، عندما لا تكفي الكلمات: حقوق الإنسان من خلال الفن في لبنان، بيروت: هيومن رايتس ووتش، 2016.