السيرة الذاتيّة
ولد فاتح المدرّس عام 1922 في قرية حريتان في حلب في الشمال السوري المتاخم لتركيا. لم تكن طفولة المدرّس المبكّرة سهلة. بعد مقتل والده انتقلَ مع والدته وإخوته إلى إحدى القُرى الكرديّة في الشمال الشرقي من سوريا. طَبعت جغرافية تلك المنطقة بطبيعتها القاسية وبموروثها الثقافي الكرديّ ذاكرته البصرية. درسَ في حلب المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكان من بين أساتذته الفنانَين السوريَين غالب سالم (1910–1983) ووهبي الحريري (1914–1994). من هنا، بدأت علاقته مع الفن. في أوائل العشرينيات من عمره، كان فاتح المدرّس ميّالاً إلى الأدب وقد درسَ اللغة الإنكليزية في المدرسة الأميركيّة في بلدة عاليه في لبنان، وتأثّر ثقافيّاً بأساتذته منهم الشاعر اللبناني مارون عبود (1886–1962). عملَ المدرّس فترة قصيرة في تدريس اللغة الإنجليزية في سوريا، لكنّه سرعان ما اتجه إلى الفن التشكيلي. في عام 1947، شاركَ فاتح المدرّس في المعرض الأول للفن التشكيلي السوري في ثانوية جودت الهاشمي (مدرسة التجهيز الأولى) في دمشق، وهو معرض أقامته وزارة المعارف السورية (وزارة التربية والتعليم حاليّاً). كما عرَض في العام ذاته في معرض الفنانين العرب الذي أُقيم في قرية بيت مري في لبنان. في عام 1950 أقامَ معرضه الخاص الأول في مدينة حلب. وفي عام 1952 شارك بلوحاتٍ متعدّدة في معارض الفن التشكيلي التي أقيمت في الولايات المتحدة الأميركية وفي السويد وفي سوريا، فازت لوحته "كفر جنة" في ذاك العام بالجائزة الأولى في معرض دمشق وأصبحت من مُقتنيات المتحف الوطني بدمشق. في عام 1954 نشرَ دراسة في الفن تكوّنت من ثلاثة أجزاء عرضَ من خلالها موجز تاريخ الفنون الجميلة ومن بينها كانت دراسة في النقد الفنيّ المعاصر.
في الخمسينيات توجّه عدد من مثقفي مدينة حلب نحو السوريالية ومن أبرزهم الشاعر أورخان ميسر (إسطنبول 1914– حلب 1965)، وقد اطلع المدرّس على أفكارهم لكنه على الصعيد التشكيلي لم يتأثر عميقاً بالسورياليّة. في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، ذهب المدرّس إلى روما لدراسة الفن في أكاديمية الفنون الجميلة، وتخرّج فيها عام 1960. تزامنت دراسته مع أقران سوريين آخرين كانوا قد ذهبوا ضمن البعثات السوريّة إلى إيطاليا مثل محمود حمّاد (1923–1988) ولؤي كيالي (1934–1978). عام 1960 نال فاتح المدرّس الجائزة الأولى من أكاديمية الفنون الجميلة في روما بإيطاليا. وفي عام 1961 ومع عودته إلى سوريا، تم تعيينه معيداً في كلية الفنون الجميلة بدمشق. تزامنت فترة تدريسه في الكلية مع وجود الإيطالي جيودو لاريجينا (1909–1995) الذي كان مدرّساً فيها أيضاً، وقد اختلف فاتح معه حول تشجيعه الطلّاب للتوجه مباشرةً إلى التجريد.
في التاسع من نيسان 1962 ألّف مع الناقد عبد العزيز علون (1934–2011) والفنان محمود دعدوش (1934–2008) "بياناً فنيّاً للحركة التشكيلية في سوريا"، تطرقوا فيه إلى الشكل واللون وحرية الفنان. حصل أيضاً على الميدالية الذهبية من مجلس الشيوخ الإيطالي، وعلى جائزة الشرف من بينالي ساو باولو للفنون في البرازيل عام 1963.
في مطلع السبعينيات درسَ في باريس في المدرسة الوطنية العليا للفنون. ساهم في تأسيس نقابة الفنون الجميلة في سوريا التي تأسست عام 1970 وأصبح عضواً في اتحاد الفنانين التشكيليين العرب منذ تأسيسه عام 1973.
في عام 1977 تم تعيينه أستاذاً للدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وأصبح نقيباً للفنانين، منصب استمرّ فيه لمدة 11 عاماً. في ذلك العام، 1977، قام السفير الألماني السابق في سوريا رودولف فيشتر (1912–1990) والذي كان قد اقتنى مجموعة من أعمال فاتح، بتنظيم معرض في مدينة في بون بعنوان "الفن من سوريا اليوم"، عرضت فيه أعمال للمدرّس.
في الثمانينيات تابع عروضه في سوريا ومشاركاته في العالم العربي. وفي خريف عام 1995 أقام معهد العالم العربي بتنظيم من غاليري أتاسي معرضاً استعادياً لأعماله صدر إلى جانبه كتالوج مخصص لأعماله بعنوان "مدرّس". في عام 1995 أخرج ثلاثة مخرجين سوريين هم عمر أميرالاي، وأسامة محمد، ومحمد ملص فيلم "فاتح مدرّس". عُلّقت على جدران مرسمه عبارات فلسفية كان قد كتبها أو اقتبسها.
في عام 1998 ناقش المدرّس مع الشاعر أدونيس (1930–) في ندوة أقيمت في غاليري أتاسي بدمشق موضوع "اللوحة كعمل أدبي". تلت تلك الندوة جلسة مطوّلة نظّمتها منى أتاسي (1951–) مديرة الغاليري بين الشاعر والفنان من أجل إعطائهما مساحة أكبر للتعمق في الحوار الفكري، سجلت تلك الجلسات لتثمر لاحقاً كتاب "فاتح وأدونيس، حوار" لم ينشر إلّا عام 2009 في الذكرى العاشرة لرحيل المدرّس.
توفّي فاتح المدرّس في دمشق عام 1999 تاركاً إرثاً فنيّاً وفكريّاً أثّر في المشهد الفني في سوريا وفي الأجيال اللاحقة.