السيرة الذاتيّة
وُلد جورج قرم، ابن الرسام داود قرم، في عائلة فنية، وكان مولعاً بالرسم والكتابة على حدّ سواء. ورغم أنه نشر أولى قصائده عام 1915، اختار في النهاية التدرّب كفنان تشكيلي محترف والتحق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس من 1919 إلى 1921. عند عودته إلى لبنان، نال قرم على الفور التقدير للوحاته حيث قُدّمت له الميداليّة الذهبيّة في معرض بيروت للعام 1921، كما فاز في العام التالية بوسام الاستحقاق اللبناني من الحكومة.
كان قرم مخلصاً للبنان وكرس نفسه لإغناء الدولة الناشئة ثقافياً، وقد عمل بجد لتعزيز الفنون. كان عضواً مؤسّساً لمتحف الآثار بين عامي 1922 و1928 الذي أصبح لاحقاً في عام 1942 متحف بيروت الوطنيّ، كما كان عضواً في هيئة التحكيم لكل من المعهد الوطنيّ اللبنانيّ للموسيقى ولجنة النشيد الوطني اللبناني، وأميناً عامّاً لمؤتمر الآثار الدولي في بيروت سنة 1926.
مع زواجه من ماري بخيت عام 1929، غادر قرم بيروت إلى مصر حيث أقام في الإسكندرية في البداية، ثم في القاهرة. عاد قرم وزوجته إلى بيروت عام 1956 وكانت أعماله في ذلك الحين لاقت تقديراً على الصعيدين المحلي والدولي. أصبح برتبة ضابط في الأكاديميّة الفرنسيّة عام 1936 وانتخب عضو شرف في الجمعية الملكية للفنون في لندن سنة 1955. نال كذلك وسام الأرز اللبناني برتبة عام 1958 بالإضافة إلى العديد من الجوائز ورتب التكريم على مدى مسيرته الفنية.
توثّق لوحات جورج قرم، معظمها بالألوان الزيتية على القماش والباستيل على الورق، أهمية فن البورتريه في لبنان خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهو سوق سعى والده داوود قرم إلى إنشائه. تتنوع موضوعات بورتريهاته بين لأفراد من العائلة الملكيّة وشخصيات من الطبقة المخملية، وهي أعمال كُلّف بها، إلى جانب بورتريهات أفراد المجتمع العاديّين بمن فيهم العديد من الفلاحين. أنجز كذلك عدداً كبيراً من البورتريهات الذاتيّة، وأكثرها إثارة للاهتمام هي اللوحات التي يظهر جورج نفسه فيها وهو يرسم. توثّق هذه اللوحات وعي الفنان المتزايد لمكانته الاجتماعية في لبنان القرن العشرين.
يذكر أسلوب جورج الأكاديمي، من نواح عديدة، بأعمال والده وخاصة في تلك اللوحات التي يُجلس فيها الفنان الشخصية التي يرسمها أمام خلفية مبسطة وداكنة. غير أن لغته التعبيرية تبتعد إلى حدّ كبير عن تقاليد الجيل السابق كما يشاهد ذلك في استخدامه لدرجات لونيّة أكثر إشراقاً وضربات فرشاة أكثر طلاقة. يظهر هذا التحول بصورة أشد وضوحاً في لوحات الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية. فضلاً على ذلك، تشمل أعماله عدداً كبيراً من رسومات العراة، التي تمثل قاعدة أساسية في الرسم الأكاديمي الأوروبي ونمطاً مفضلاً لدى هذا الجيل من الفنانين اللبنانيين، بما فيهم كبار معاصريه مثل الرسام سيزار (قيصر) الجميّل (1898 – 1958). إنّ لوحات المناظر الطبيعية هي أبرز أعمال جورج قرم، فبالإضافة إلى مجموعة أكثر تقليديّة من المناظر الطبيعية لجبال لبنان وسواحله، باشر جورج في بداية الخمسينيات استكشافه لنمط من المناظر الطبيعيّة المشبعة بالطابع الروحاني والغيبي والرموز الخفيّة.
طوال مسيرته الفنية كرسام، استمر جورج قرم بالكتابة وبنشر القصائد الشعرية والمقالات والنقد. نشر عام 1966 كتابه الأكثر شهرة "بحث حول الفن والحضارة في الزمن المعاصر" والذي عبّر فيه عن موقفه في مجال الجماليات في خضم حرب ثقافية باردة مقسّمة جذرياً. منتقداً لكلا التيارين، الاستهلاكي الأميركي والشيوعية الماركسية، دعى قرم إلى العودة للتقاليد الأوروبيّة الكلاسيكيّة الإنسانيّة، المستمدة من المُثل المسيحيّة. يظهر التزام جورج قرم العميق بالنزعة الإنسانية والمسيحية في لوحاته التي تصّور الإنسان مع ما أطلق عليه النقاد صفة "المناظر الروحية".
عرض جورج أعماله على نطاق واسع في بيروت وأوروبا وشارك عام 1966 في صالون الربيع في باريس. توفي في بيروت في 13 ديسمبر1971. كُرّم بمعرض استعاديّ لأعماله عام 1981 أقيم في غرفة التجارة والصناعة في بيروت وبمعرض عام 2013 بعنوان "الإنسانويّة التصويرية اللبنانية: جورج د. قرم"، في صالة الجامعة الأميركية في بيروت.