السيرة الذاتية
ولد مروان قصاب باشي في دمشق لأمّ لبنانيّة وأب سوري يعمل في التجارة، ما أتاح تأمين نشأة مستقرّة وهانئة لأولاده الستة. التحق مروان بقسم الأدب العربي في جامعة دمشق في العام 1955 وراح يتلقّى دروساً خاصّة في الرسم والتلوين في الوقت عينه. وكان مروان طالباً ناشطاً في مجال السياسة إذ كان عضواً في منظّمة الطلّاب التابعة لحزب البعث (المعارض آنذاك). ولدى انتقاله إلى برلين في العام 1957، أصبح ممثّلاً عن الطلاب البعثيّين في البلدان الناطقة باللغة الألمانيّة واستمر في تأدية هذه المهمّة حتى العام 1962.
كان المشهد الثقافي والفنّي الذي انضمّ إليه مروان في سوريا نابضاً بالحياة بالرغم من مناخ التقلّبات السياسيّة وكانت أوساط الفنّانين تزخر بالنقاشات حول الهويّات الفنّيّة بين الحداثة والانتماء الوطني والعروبة بصورة أعمّ. وقد شارك مروان في عدّة معارض فنّيّة جماعيّة في دمشق من بينها المعرض الثالث للفنّ التشكيلي بمحتف دمشق الوطني عام 1952 ومعرض الربيع عام 1955 حيث نال جائزة عن منحوتته "الجوع". وكان من بين أصدقائه ورفاقه في العمل السياسي الأخَوان أدهم ونعيم إسماعيل وقد شارك الثلاثة في معرض أقيم عام 1957 بقصر الأونيسكو في بيروت.
وعلى الرغم من كونه عضواً ناشطاً في المشهد الثقافي السوري على الصعيدين الفنّي والسياسي، كان مروان يحلم بالسفر إلى باريس لمتابعة دراسته للفن. وفي عام 1957، وصل إلى برلين عن طريق جنوة وميونيخ في انتظار أن يستكمل من هناك رحلته إلى باريس. لكنّ المدينة جذبته فمكث فيها والتحق بالكليّة العليا للفنون في برلين حيث تتلمذ على يد البروفسور هان ترير الذي كان من بين الشخصيّات الرائدة في التيّار اللاشكلي الألماني. وكان الرسم الإيمائي سائداً في مضمار الفن العالميّ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، إلاً أنّه شكّل بالنسبة إلى مروان المتأثّر بالمدرستين الانطباعيّة والتعبيريّة الأوروبيّتين تجربة جديدة. وقد كان لهان ترير تأثير بالغ على مروان في سنواته الأولى في ألمانيا مشجّعاً إيّاه على إيجاد لغة بصريّة خاصّة به. وتشير الأعمال القليلة الباقية من تلك المرحلة إلى ارتباط مروان الصريح بالأسلوب اللاشكلي، إلاً أنّه سرعان ما استشعر كغيره من الفنّانين الشباب حينذاك محدوديّة هذه المقاربة. وبين العامين 1961 و1962، نشر زميلا مروان في الدراسة، الفنّانان الألمانيّان أوجين شونيبيك وغيورغ بازيليتس، "بيان الصخب" (Pandemonium Manifesto) الذي دعيا فيه إلى تبنّي نوع جديد من الفنّ يكون "عدوانيّّاً وقبيحاً وقذراً". وسط هذا المناخ الفنّي، بدأ مروان بتجريب أشكال جديدة وراح يطلق على أغلب لوحاته عنوان "تشكيل" لتعزيز الإشارة إلى الطابع التجريبي وغير المُنجز في أعماله تلك. في العام 1962، أنهى دراسته وانطلق في بناء مسيرته كفنّان تشكيلي، فكان يعمل في النهار مساعداً في متجر لبيع الفراء ويرسم في الليل وفي عطلات نهاية الأسبوع. وتشهد أعماله من هذه المرحلة على المعاناة والإحساس بالوحدة واللوعة (عاطفيّاً وجنسيّاً) والقلق من التدهور السياسي في العالم العربي. ويتجلّى اهتمامه بالقلاقل والثورات في المنطقة من خلال لوحاته ورسوماته خلال فترة الستّينيّات والتي تضمّنت مناضلين سياسيّين وشخصيّات ثقافيّة من أمثال بدر شاكر السيّاب ومنيف الرزّاز إضافة إلى بعض الأعمال التي تصوّر الفدائيّين الفلسطينيّين في السبعينيّات. أمّا لوحاته التي تتناول الفدائيّين فتختلف في تناولها عن معالجات الفنّانين الآخرين لكونها تركّز على الجانب الإنساني للشخوص وتبرزهم كيافعين عزّل مجرّدين من الإكسسوارات الشائعة كالبندقيّة والكوفيّة. وفي الغالب، يصعب التعرّف على الفدائيّين في لوحات مروان من دون الرجوع إلى عناوين الأعمال، أمّا العناوين بالألمانيّة فقد كانت أحياناً تغفل تلك الإشارة تماماً.
في عام 1967، أقيم أوّل معرض لمروان في ألمانيا في غاليري شبرينغر ببرلين وبات منذ تلك اللحظة يعرض أعماله بصورة منتظمة في غاليريات ومؤسّسات مختلفة. حاز في عام 1973 على منحة دراسيّة لمدّة عام في "سيتيه ديزار " (Cité des arts) بباريس حيث نجح أخيراً في التفرّغ لدراسة الرسم الفرنسي. عمل بروفسوراً زائراً في الكلّية العليا للفنون في برلين بين عامي 1977 و1979 وعُيّن بروفسوراً متفرّغاً فيها ابتداءً من العام 1980. وفي العام 1994، انتُخب عضواً في أكاديميّة برلين للفنون التي يتم اختيار أعضائها من الفنّانين العالميّين بتصويت مجلس إدارتها. توفّي مروان في 22 أكتوبر 2016 في برلين.






