السيرة الذاتيّة
إن لم يكن الأول، فمحمد بن علي الرباطي هو بلا شك من أوائل الرسامين التشكيليين في المغرب. يشار إليه غالباً باعتباره رسّام لوحة مسنديّة (لوحة الحامل) مع أنه تجنب استخدام القماش وفضل الألوان المائية على الورق. الكثير من تاريخ الرسم الحديث في المغرب بدأ مع الرباطي. لم يُكتب عنه الكثير، ومعظم المعلومات حوله سياقيّة. من الواضح أنه كان قد تلقّى بواكير الدعم من الفنانين الأوروبييّن المقيمين في طنجة حيث كان أقامَ معظمَ حياته، وكان العديد من الرسامين الأوروبييّن يمرون بالمغرب وخاصة عبر طنجة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كانت طنجة في ذلك الوقت منطقة دوليّة وبالتالي كانت مدينة مواتيّة للقاءات بين جنسيات متعددة. في عام 1903، عمل الرباطي طباخاً لدى السير جون لافيري وهو رسام بورتريهات إيرلندي. اكتشف لافيري أن الرباطي يمارس الرسم في أوقات فراغه ووجده يرسم بالأصباغ المائية بتأنٍّ واهتمام بالتفاصيل فشجّعه على الاحتراف. أفاد هذا الدعم مسيرة الرباطي المهنيّة. انتقل الرباطي إلى مرسيليا عام 1916، حيث عمل في مصنع السكّر وعرض أعماله عام 1919، ثم عاد إلى طنجة عام 1922. وعند عودته، نظّم مدير الفنون الجميلة، بروسبر ريكارد، معرضاً فرديّاً لأعماله في قصر المأمونية بالرباط. اضطرّ إلى الالتحاق بوحدات الإطفاء المغربية التابعة للجيش الإسباني عام 1925. ترك الخدمة العسكرية عام 1929، وأصبح حارساً ليليّاً في بنك بلباو، حيث بدأ ببيع لوحاته في محلات الهدايا التذكاريّة. وفي عام 1933، مُنح مرسماً في قصر طنجة، وباع أعماله، بما في ذلك للسلطان مولاي عبد العزيز، وافتتح مطعمه. تُوفي عام 1939 بسبب غير معروف.
أقام الرباطي أول معرض له في غاليري غوبيل بلندن عام 1916، ويُعتقد أنه أول معرض فرديّ لفنان مغربي حديث. ومع أنه لم يتلقَ تعليماً أكاديميّاً في الفنون، إلّا أن شغفه بالرسم وتوفر الألوان المائية في طنجة، بفضل الجالية البريطانيّة الكبيرة، أيقظا لديه الرغبة في رسم مشاهد الحياة اليومية المحيطة به. دائماً ما وقّع الرباطيّ على سطح لوحاته بالعربيّة.
تركز رسوم الرباطي المائيّة الورقيّة التشخيصيّة على طنجة وقصبتها وسكانها. فلوحاته تصوّر شريحة واسعة من السكان المحليين، وتظهر رجالاً متجمعين حول عازفي الموسيقى أو سحرة الثعابين، ودوائر رواة القصص في القصبة، كما تصوّر مشاهد في المقاهي والمهرجانات ودواخل المنازل الفخمة. وغالباً ما تكون شخصيات رسومه مبسطة ومحددة بضربات ريشة واضحة، حيث تكشف الخطوط الموضوعة بدقة طيات الجلابات وتسلط الضوء على تألق متعدد الألوان. يظهر العديد من رسومه المائية مجموعات كبيرة من الرجال والنساء، ويتم التركيز غالباً على المشهد العام أكثر منه على التفاصيل الفرديّة. تتباين الخطوط الهندسية لأسوار المدن والمساجد أو هندسة البلاط المعقدة مع الخطوط المنحنية والانسيابيّة لشخصياته في ألبستهم التقليديّة. تبدو الصور في العديد من أعماله مسطحة تماماً وبدون أبعاد، كما تتضمن اللوحات أحياناً زخرفات على حوافها. لكن هنالك أيضاً العديد من اللوحات التي تتعدى النمط المسطّح بهدف توثيق أدق للمشاهد التي يراها الفنان. في هذه النماذج، تظهر ظلال كل فرد بشكل واضح مما يدل على تجارب الفنان ودراساته لطرق إظهار الضوء ورسم الأبعاد.
غالباً ما يُوصف عمل الرباطي بأنه نتاج علاقته بجون لافري. وقد تكون الممارسات التقليدية لزخرفة المخطوطات العربية والفارسية هي أحد البدائل الأصيلة، سواء من حيث معالجة الرباطي للضوء أو من حيث وجود التصوير الواقعي والمؤسلب. ولذا، يُقارن مؤرخ الفنّ توني مريني الرباطي برسّام المنمنمات الجزائري محمد راسم (1896–1975). وبشكل أوسع، يُشير تنوّع معالجة الرباطي لسطح الصورة إلى اهتمام الفنان بتبسيط الأشكال عن عمد كجزء من أسلوبه، وليس كخيار عشوائي.
يستبعد الرباطي غالباً من الدراسات التاريخية حول الرسم في المغرب حيث هنالك تركيز عام على النصف الأخير من القرن العشرين. مع ذلك، وكما يظهر معرض الفن التشكيلي الذي أقيم في فندق إكسلسيور بالدار البيضاء عام 1918، كان هنالك فنانون يعملون في المغرب، سواء من الزائرين أو من المحليين، خلال عهد الوصاية (1912–1956). وقد حُفظت أعمال العديد من الرسامين التشخيصيّن المغربيين الأوائل، على الرغم من أن معظمها لم يُدرس جيداً. التقط العديد من هؤلاء الرسامين الحياة اليومية والمحليّة، ومنهم عبد السلام الفاسي بن العربي، الذي رسم مشاهد يومية من وسط مراكش. لم يُوثّق الرسم المبكر في المغرب جيداً، لكن مكانة الرباطي في العديد من المجموعات الوطنيّة والدوليّة تُشيد بدوره التأسيسي.