السيرة الذاتية
يعتبر النحات محمد غني حكمت (1929–2011) بجدارة أحد أهم الفنانين العراقيين وأكثرهم قرباً من الجمهور. يشهد العدد الكبير من الصروح العامة المنتشرة في المدن العراقية على تميّزه. تمثّل منحوتات حكمت الضخمة تخليداً لذكرى أولئك الذين عانوا من النفي من بلدهم إبان سنوات الحظر والحروب المضطربة، كما تشكل ذكريات محببة لأولئك الذين بقوا هناك. ولكونه مارس فنه بروح تراثية، مستمداً استلهامه من الإرث العراقي المتعدد الأوجه، أصبحت منحوتاته بمثابة رموز للأمّة بحد ذاتها. في الواقع، يحتل العراق، وخصوصاً بغداد، مكانة هامة في ممارسة حكمت الفنية، ونتيجة لذلك، أصبح حكمت نفسه رمزاً للمدينة التاريخية، ويتذكره الجمهور كأحد أعظم كنوزها.
تخرج محمد غني حكمت في معهد الفنون الجميلة في بغداد سنة 1953 وسافر بعد ذلك إلى روما لمتابعة تدريبه في أكاديمية الفنون الجميلة التي تخرج فيها عام 1959. عندما كان مقيماً في إيطاليا، درس كذلك العمل بالمعادن في معهد البوليغرافيكو إي زيكا ديلو ستاتو (لا زيكا إيطاليانا) بروما، وصب البرونز في مسبك في بيستويا، بالقرب من فلورنسا. درّس في وقت لاحق النحت في معهد الفنون الجميلة في بغداد وفي كلية الهندسة المعمارية التابعة لجامعة بغداد.
كان حكمت خلال مسيرته الفنية مبدعاً غزير الإنتاج وعرض أعماله بكثرة، كما شارك بقوة في تنمية ساحة الفن العراقية. أقام معارض فردية متعددة في روما وسان ريمو ولندن وبيروت وبغداد، وشارك أيضاً في معظم المعارض الوطنية الهامة في العراق. انتسب إلى "جمعية أصدقاء الفن" والتحق فيما بعد بجماعة الزاوية التي كان ترأسَها فائق حسن (1914-1992). والجدير بالذكر أن حكمت كان عضواً في "جماعة بغداد للفن الحديث" التي أسّسها صديقاه وأستاذاه جواد سليم (1919-1961) وشاكر حسن آل سعيد (1925-2004). يمكن القول إن جماعة بغداد للفن الحديث كانت بلا شك أهم جمعية فنية في العراق الحديث وكانت تركّز على فكرة أن التراث العراقي جدير بأن يحتل مكانة أولوية في ممارسة الفن الحديث. تبنى حكمت هذه الأفكار في عمله الفنيّ مستمدّاً مواضيعه واستلهامه الأسلوبيّ من الفن والأدب الإسلاميين في القرون الوسطى، وأيضاً من فنون التصوير في بلاد ما بين النهرين. يمثل عدد من أشهر أعماله مواضيع إحدى الحكايات الشعبية العربية المعروفة جداً، "ألف ليلة وليلة". من بين هذه الأعمال "نصب كهرمانة" الذي يظهر البطلة وهي تسكب الزيت في جرار يختبئ فيها لصوص علي بابا الأربعون، والنصب الثنائي الذي يمثل "شهرزاد وشهريار" (1971). أنجزت شخصيات أبطال ألف ليلة وليلة في هذه التماثيل بصروحية قوية وبتشكيلات منحنية تستحضر أسلوب التماثيل الأشورية.
اشتهر النحات كذلك بتماثيله الأصغر حجماً والمنحوتة من الخشب، والتي شكل أهل بغداد موضوعها الرئيسي. يمثّل العديد من هذه التماثيل النساء بعباءاتهن التقليدية العراقية وهن يحملن أطفالهن، مما يشير إلى استكشافات حكمت للأمومة كموضوع فني. وله منحوتات أخرى هي عبارة عن نقوش بارزة تصور الحياة اليومية في العراق. نفّذت كل هذه المنحوتات بنمط اختزالي وتجريدي يذكر بالقبور وشواهد القبور البغدادية. تابع استكشافاته في هذه الأشكال المنحوتة في الخشب في الفترة الأخيرة من مسيرته الفنية الطويلة. يمكن تفسير افتتانه بالأشكال البشرية أيضاً على أنه إجلال للنزعة الإنسانية التي سادت في عصر النهضة الأوروبي.
ساهم محمد غني حكمت أيضاً في أعمال عامة كبرى بدأها فنانون بارزون آخرون، من بينها "نصب الحرية" لجواد سليم الذي ساعد حكمت على إنجازه وأشرف على صب البرونز لتشكيله في فلورنسا. كما تولّى إدارة المشروع بعد وفاة جواد سليم المفاجئة عام 1961. ومن المشاريع الأخرى كان "قوس النصر" (1989) الذي أثار جدلاً واسعاً، والذي بُني لإحياء ذكرى الحرب العراقية الإيرانية، ولكنه ظلّ لعقود رمزاً لدكتاتورية صدام حسين. أكمل حكمت هذا العمل الفني الضخم بعد وفاة نحاته الأصلي، خالد الرحال (1926-1987).
في 2003، قبيل غزو العراق، غادر حكمت إلى عمان في الأردن، حيث تابع عمله. في عمان، غالباً ما استضاف النحات موسيقيين وكتاب وفنانين بارزين. ومع أن العاصمة الأردنية وفرت له ملاذاً، كما للعديد من الشخصيات الثقافية العراقيّة، ظل حكمت يشعر دائماً بالتعلّق بمسقط رأسه وكان يتحدث عن بغداد مشبهاً إياها بامرأة جميلة. عاد إلى بغداد لفترة وجيزة بعد الغزو ليجد أن وطنه قد خضع لتغييرات كبيرة. ومن أبرز مظاهر الدمار الثقافي الذي لحق ببغداد تشويهُ نصب حكمت الثمين "شهرزاد وشهريار"، حيث قطع المعتدون يد الملك اليسرى. شعر النحات بالأسى على تدمير الأعمال العامة الأخرى التي بذل جهوداً كبيرة لإتمامها، وهي منحوتات لا يمكن تعويضها. كان عليه أن يتقبل أيضاً اختفاء حوالي 150 منحوتة من أعماله والتي تمثّل مسيرته بأكملها على إثر نهب المتحف العراقي للفن الحديث.
لوعيه التام بدوره كمدافع عن الثقافة العراقية الماضية والحاضرة، بدأ حكمت حملة لاسترجاع الأعمال المنهوبة، وأسس لذلك "جماعة انقاذ الفن العراقي" التي كانت تهدف إلى إعادة شراء الأعمال التي تظهر في السوق السوداء. استطاع من خلال هذه الجهود أن يسترجع ما لا يقل عن 100 عمل فني بما فيها تمثال "الأمومة" لجواد سليم في العام 2003. أصبح حكمت بذلك قوة تعبوية بين طلابه وزملائه من أجل الحفاظ على الإرث الثقافي العراقي.
كانت عودته إلى العراق للمرة الثانية عام 2010 بغرض تلبية طلب رئيس بلدية بغداد الذي أراد تكليفه بإنجاز سلسلة من التماثيل النُصبية للمدينة. وافق حكمت على هذا التكليف وبدأ العمل على على عمل "أنقذوا الثقافة العراقية"، الذي وُضع في منطقة المنصور ببغداد وفُتح أمام الجمهور عام 2013. كان هذا هو المشروع الأخير في مسيرة حكمت حيث أن النحات لم يعش لرؤية ثمار عمله. تاركاً خلفه الكثيرين من محبيه في الحزن الشديد، رحل محمد غني حكمت في 12 سبتمبر 2011 عقب إصابته بعجز في الكليتين عن عمر ناهز 82 عاماً. عندما زار البابا فرنسيس العراق بعد 10 سنوات عام 2021، قُدِّمت له لوحة طبق الأصل من سلسلة حكمت "آلام المسيح" (1990) كهدية من الشعب العراقي.
كان حكمت يتحلى بقيم أخلاقية صارمة في عمله انعكست في تكريس نفسه لصناعة الفن. كان حكمت شخصية عامة أكثر من معظم الفنانين العراقيين، أنجز أعمالاً فنية ضخمة للمجتمعات الحضريّة. وُصف النحات الذي لم يعرف الكلل من قبل أصدقائه والنقاد بكونه فناناً يتمتع بحيوية وديناميكية عاليتين بالإضافة إلى طاقة وحماس لا حد لهما. يُنظر إليه اليوم كرمز من رموز الفن العراقي الحديث وكمدافع هام حرص على الحفاظ على هذا الفن.