السيرة الذاتية
بول غيراغوسيان هو أحد أشهر الفنانين في المنطقة. ولد في القدس لأبوين أرمنيين ناجيين من "المجازر الأرمنية" في 1915، حيث استقرت العائلة في بيروت بعد إجلائهم من فلسطين من قبل البريطانيين. وفي غضون أقلّ من عقدٍ من الزمن، أثبت غيراغوسيان نفسه كشخصية أساسيّة في حركة الفن الحديث اللبنانية الناشئة.
وُلد غيراغوسيان في بيئة شديدة فقيرة وقضى فترة طفولته المبكرة بين الرابعة والسابعة تحت رعاية "بنات القديس ڤنسنت بول" في القدس. أنهى فيما بعد دراسته في إحدى مدارس الكهنة السالزيين للدون بوسكو في فلسطين، غالباً في مدرسة في الناصرة. أبدى غيراغوسيان شغفاً بالرسم منذ سن مبكرة حيث كان يلتهم الكتب المتعلقة بالفنون لدى مكتبات المدينة ومتاجر المواد الفنية في الوقت الذي كان فيه ينغمس في التاريخ الواسع للفن. كان لديه أيضاً عدد من التجارب التدريبية مع فنانين فرديين خلال شبابه، بمن فيهم الرسام الإيطالي بيترو ياجيتي في القدس، واستوديو ياركون، ربما في يافا، كمتدرب في استوديو الرسام الإيطالي فرناندو مانيتي (1899-1964) خلال النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، ومن خلال دروس رسميّة في الكتابة الخطيّة مع شقيقه تحت إشراف شيخ محلي.
في عام 1947، انتقل غيراغوسيان وأسرته إلى بيروت، كما العديد من اللاجئين الفلسطينيين، واستقروا في برج حمود، وهو حي في شمال بيروت تقطنه في الغالب الجالية الأرمنية منذ عام 1915. لدى قدومه إلى لبنان، بدأ غيراغوسيان بكسب قوته من خلال تدريس الفن في المدارس الأرمنيّة، بالإضافة إلى عمله كرسام توضيحيّ. فضلاً على ذلك، بدأ مع شقيقه مشروعاً لصناعة اللافتات، وباشر في الوقت ذاته تقريباً برسم أفراد من حيّه بأقلام الفحم على الورق والألوان الزيتية على ألواح الخشب المضغوط (الماسونيت). تُظهر أعمال تلك المرحلة معالم المدينة واهتمام غيراغوسيان بجمالية اللحظة، حيث التقطت خطوطه الحيوية والمنسابة مظهر الأفراد الخارجي وحالاتهم الوجدانية في آن واحد.
بدأ غيراغوسيان بعرض أعماله في أوائل الخمسينيات، وفاز عام 1956 بأول جائزة فنيّة له في صالون الخريف الذي أقيم تحت رعاية وزارة التربية والتعليم اللبنانية، وحصل لاحقاً على "جائزة فلورنسا" من المعهد الثقافي الإيطالي. كانت الجائزة عبارة عن منحة دراسيّة لدراسة الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا. في عام 1962، نال غيراغوسيان منحة تعليمية ثانية من وزارة الخارجيّة الفرنسية للدراسة في الخارج في باريس. وفي نهاية ذلك العام، أقام معرضاً فردياً في غاليري موف في باريس.
تواصلت شهرة غيراغوسيان الفنية بالاتساع خلال الستينيات والسبعينيات عبر لبنان والعالم العربي وأوروبا. تتجلّى براعته الفنيّة في أعماله المتنوعة على الورق والقماش، بالألوان الزيتية خصوصاً، وبالألوان المائية والأقلام. تتنقل لوحاته بين التجريدية والتشخيص بهدف التقاط جوهر الأشكال البشرية. تضم أعماله من البورتريهات عدداً كبيراً من التكوينات حول زوجته وأولاده وصورته الذاتيّة، ولأفراد مجهولين. يركّز عدد كبير من لوحاته على احتضان الأم لطفلها بحنان. وما سيصبح صفة مميزة بالكامل لأسلوبه، ضربات فرشاته الطولانيّة التي تصوّر أجساد شخصياته بشكل تجريدي وممتد طولاً، كصدى للأيقونيات البيزنطيّة. بدأ غيراغوسيان، الفنان الحداثيّ الحقّ، برسم لوحات تجريدية بالكامل في أواخر الستينيات. مستخدماً ألواناً زاهية وجريئة على شكل كتل على القماش، ترك غيراغوسيان أجزاءً من السطح غير مشغولة، موّلداً عمقاً وحركة من خلال استخدام المساحة السلبية.
بدءاً من الخمسينيات، شارك غيراغوسيان بأكثر من 100 معرض في لبنان ومصر والأردن والعراق وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والبرازيل واليابان والولايات المتحدة الأميركية. وفي عام 1991، كرّم "معهد العالم العربيّ" الفنان بإقامة معرض لأعماله التجريديّة كبيرة الحجم، ونُظمت معارض استعادية أخرى لأعماله خلال السنوات العشر الأخيرة، بما فيها معرض "الحالة الإنسانية" الذي أقيم سنة 2013 في مركز بيروت للمعارض. أعماله مقتناة في مجموعات فنية خاصة وعامة في أرجاء العالم، وتم تكريمه بجوائز دوليّة عديدة.
في عام 1991، بادرت عائلة غيراغوسيان إلى تحقيق حلم الفنان بول وابنه البكر إيمانويل وذلك بافتتاح غاليري إيماغوس في الزلقا، ضواحي بيروت. منحت هذه الغاليري بيئةً للفنانين من كافة أنحاء العالم لعرض الفن الحديث والمعاصر، كما يُوفر الاستوديو مكاناً للفنانين المقيمين والزائرين لتثقيف الناس حول صناعة الفنّ، والأهم من ذلك، كيفية استكشافه وتذوقه. في عام 2011، أنشأت زوجة الراحل مع أولاده الخمسة "مؤسسة غيراغوسيان" لحفظ وأرشفة المواد المتعلقة بالفنان ومسيرته الفنية.