السيرة الذاتيّة
وُلد زياد دلول في السويداء في سوريا عام 1953، وأظهرَ اهتماماً مبكراً بالشعر والرسم. في سن السادسة عشرة، بدأ بالكتابة وبابتكار أعمالٍ فنيّة، كما عرضَ أعماله الأولى وقدّم قصصاً قصيرة في المركز الثقافيّ التابع لمدينته. في عام 1970، أقام أوّلَ معرضٍ للوحاته في المركز ذاته. في عام 1972، انتقلَ دلول إلى دمشق للدراسة في كليّة الفنون الجميلة، ليتخرّج فيها عام 1977. في ذلك العام، أقامَ أول معرض فردي له في دمشق في غاليري أورنينا للفن الحديث، حيث عرضَ لوحاتٍ وأعمال حفر مطبوعة. كتبَ محمود حماد (1923–1988) في كتيّب المعرض. أظهرت العديد من المعارض التي أقامها في سبعينيات القرن الماضي رغبته في الخروج عن التيارات الفنيّة المحليّة السائدة، وفي تقديم ابتكاراتٍ متعلّقة بكلّ من الموضوع والتقنيّة. كان معرضه في صالة الشعب آخرَ معارضه قبل انتقاله إلى الجزائر العاصمة عام 1980.
في الجزائر، تولّى مسؤوليّة كتابة برامج تعليم الفنون في المدارس الجزائريّة. درّس في المعهد التكنولوجي بالجزائر، مُظهِراً إخلاصه في مجال التربية ونشر المعرفة الفنيّة. على مدار أربع سنوات قضاها في الجزائر، سافرَ في البلاد على سعتها، مفتوناً بمناظرها الصحراويّة وساحلها المتوسطيّ. عرضَ أعماله في غاليري راسم وشاركَ في العديد من الفعاليّات الفنيّة. كانت رحلته الأولى إلى أوروبا عام 1981 بدايةَ رحلات أخرى إلى فرنسا وإسبانيا. وفي عام 1984، قرّر الاستقرار في باريس والتحق بالمدرسة الوطنيّة العليا للفنون الزخرفية التي تخرّج فيها عام 1987. بعد ذلك، أنجزَ مشروعين بارزين ساهما في تطوير بحثه الفنيّ. الأوّل، بعنوان "ظرف مكان Circonstance de lieu"، عبارة عن سلسلة من المحفورات بتقنية الكاربورندوم كبيرة القياسات، ما أتاحَ نشوء علاقة وثيقة بين فنّي الطباعة والرسم. أما المشروع الثاني، "دفاتر المتحف"، فلقد ولّدَ حواراً مع تاريخ الرسم. تجمع هذه السلسلة بين الرسم والطباعة على سطح واحد، متمحورة حول نسخةٍ ملصقة لعملٍ فنيّ كلاسيكيّ. تُجسّد تلك الأعمال الرؤية الفنيّة التي طوّرها دلول لاحقاً. وعلى خلاف العديد من رسامي القرن العشرين المعاصرين الذين نأوا بأنفسهم عن التقاليد الكلاسيكيّة، عمد دلّول إلى تأسيس ممارسته الفنيّة بالارتكاز على التقنيات القديمة.
خلال ثمانينيات القرن العشرين، دخلَ إلى المشهد الفنيّ الباريسيّ، وأقامَ روابطَ مع العديد من الفنانين والمثقفين. وفي هذه الفترة، التقى أيضاً بالشاعر السوري أدونيس، الذي تعاون معه في تأليف عدّة كتبٍ فنيّة.
في عام 1994، حصلَ على الميدالية الذهبية من ترينالي القاهرة الدولي للغرافيك، وفي عام 1997، خصّصَ الترينالي معرضاً فرديّاً لأعماله. في عام 1996، أقام معرضاً مشتركاً في دمشق في كلّ من المركز الثقافي الفرنسي وغاليري أتاسي. وفي عام 1997، استضافَت دارة الفنون في عمّان، الأردن، معرضاً لأعماله، وقد عاد إليها عام 2005 ليكون مديراً لأكاديميتها الصيفيّة.
منذ أواخر التسعينيات وحتى مطلع الألفية الثالثة، اتّجه دلول أكثرَ فأكثر إلى الرسم الزيتيّ على لوحات قماشية كبيرة الحجم وعلى الورق الياباني. في عام 2005، نظّم معهد العالم العربي في باريس معرضاً كبيراً جمع بين أعماله من اللوحات والحفر والدفاتر الفنيّة. نُشر في كتالوج المعرض نصّان: "الابتهاج المطلق بالفضاء المعيش" لمؤرخ الفن بيير كابان، و"احتفاءً بالبصر والبصيرة" لأدونيس.
تمثّله غاليري كلود برنار في باريس منذ عام 2007. في كتالوج معرض عام 2008، نشرَ قصائده المترجمة إلى الفرنسية لأوّل مرةٍ تحت عنوان "Carnet de bord". وفي عام 2015، عرضَ في الغاليري سلسلة أعماله "احتفال الغائبين".
يرفض الفنان مصطلح "الطبيعة الميتة (Nature Morte) still life"، مفضلاً بدلاً منه الاصطلاح العربي "الطبيعة الصامتة silent nature"، لكنه أطلق على أعماله التي تعالج هذا الموضوع "استراحة الأشياء"، كوسيلة لإضفاء بعدٍ إنسانيّ على العناصر. يتجاوز نهجه الفنيّ مجرد التمثيل: فبالنسبة إليه، يتعلق الأمر "بالدخول إلى المشهد الطبيعي"، وتفكيكه وإعادة بنائه من خلال الذاكرة والخيال، حيث يصبح كل من الخاصّ والجماعيّ حقلاً للتعبير البصري.
استغرقَ دلول مراراً في أعمال فنية كبرى من تاريخ الفن، منتجاً تحليلات توافَقت مع سلسلة أعماله "دفاتر المتحف"، لكن بتقنيّة تصويريّة متمايزة. استندَ إلى فناني عصر النهضة الشهيرين مثل تيتيان وتينتوريتو، ما ولّد حواراً بين أساليبهم الفنيّة وفنّه هو.
أنشأ دلول أسلوباً جماليّاً مميّزاً يتّسم بتكرار الموتيفات والرموز التي تستحضر الذكريات والأحلام والتأمّلات. يكشف عمله عن حضور للإنسان من خلال غيابه عن اللوحة. تدمج لوحاته بين العناصر الداخليّة والأشياء كالموائد والكراسي والأسرّة والستائر مع عناصر طبيعيّة كالماء والضوء والمناظر الطبيعيّة.
يرتكز عمل دلول على موضوعين رئيسيين: "احتفال الغائبين" و"استراحة الأشياء". ومن خلال هذين الموضوعين، يتناول الطبيعة من منظورٍ فلسفيّ، مُذيباً الحدود بين الإنسان والعالم، وبين العناصر والحواس، وبين التجربة المعيشة والخيال. يُعطي فنّه الأولوية للإلماح والحدس على التوصيف المباشر.
أعماله موجودة في مجموعات عامّة حول العالم، مثل المتحف البريطاني في لندن، ومعهد العالم العربي في باريس، ومؤسسة خالد شومان في عمّان، ومؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة، ومؤسسة دلول للفنون في بيروت، ومؤسسة المنصورية في جدة، ومؤسسة أتاسي.