مقدمة
في عام 2022، زرتُ الفنانة هالة شقير في مؤسسة والدتها سلوى روضة شقير التي كانت على وشك أن تُفتتح في رأس المتن في لبنان. شكّلت تلك التجربة بدايةً لسلسلة من الأسئلة التي أثّرت في بحثي القائم حول أرشفة نشاطات الفنانات العربيات "2. كان من بين المواد التي اطّلعتُ عليها صورة فوتوغرافية تعود لعام 1980، تُظهر تجمّعاً لفنانات عربيّات رائدات، من بينهن سلوى شقير نفسها. أظهرت الأختام الموجودة على الوجه الخلفي للصور صلتها بالمعرض الفني القومي الأول للفنانات العربيات، الذي نظّمه الاتحاد العام لنساء العراق في بغداد، وهو منظمة نسائية بعثية، سعت إلى جانب دعمها الأجندة الأيديولوجية للدولة إلى تشجيع مشاركة المرأة في التعليم والثقافة والتدريب العسكري "3. شكّلت صورةُ الفنانات تلك نقطة انطلاق لبحث تاريخي أوسع، حيث إنّ الصورة محفوظة ضمن أرشيف شقير، إلّا أن المعرض لم يحظ باهتمام بحثي كافٍ، خصوصاً في دراسات تاريخ المعارض العربية الحديثة. تتتبّع هذه المقالة تاريخ المعرض، مستعرضةً الفنانات المشاركات فيه والظروف التي أُقيم في ظلّها. كما أنّها تضع الحدث ضمن الشبكة الفنيّة والسياسيّة الأوسع في العراق التي مهّدت لتنظيمه. وبالاستناد إلى دليل المعرض، وأرشيف سلوى روضة شقير والشهادات الشفوية، تنظر المقالة أيضاً في دور الاتحاد العام لنساء العراق في تصميم المعرض وتيسيره، وتتناول كيفية تداخل برنامج الاتحاد مع الطموحات الفنيّة للمشاركات.
1. لماذا بغداد؟
إن تطور الحداثة العراقية لا ينفصل عن التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد، ولا عن المناقشات المستمرّة حول الهوية والجندر، والسلطة التي شكلت مجتمعها الفنيّ "4. فقد تداخلت تجارب الفنانين بشكل عميق مع المشهد المتغير للبلاد، من العهد العثماني إلى الانتداب البريطاني، مروراً بتأسيس الجمهوريّة والحروب والعقوبات التي لاحقتها "5، مما حدّ من مشاركة الفنانين العراقيين في شبكات الفنانين الدولية. وقد رسمت التحولات في المناخ السياسي، ولا سيما انقلاب عام 1958 الذي أطاح بالنظام الملكي الهاشمي وأسّس الجمهورية العراقية، وصعود حزب البعث (حزب سياسي قومي اشتراكي عربي وصل إلى السلطة عام 1968)، والحروب اللاحقة، مسار مشاركة المرأة في الفنون. لعب الاتحاد العام لنساء العراق دوراً مهماً في دعم وتنظيم نشاط المرأة في المجتمع وفي الفنون (شبوط 2010، 150–151) "6. وبعد وصول صدام حسين إلى السلطة عام "1979،7 تصاعد نفوذ أيديولوجية حزب البعث "8.
وفي خضمّ المناخ السياسي المتغير في العراق، ظلّت بغداد مركزاً حيويّاً للفنون والعمارة والأدب في العالم العربي. تلقّت الأجيال السابقة من الفنانين العراقيين تدريباً فنيّاً معظمه في الأكاديميات العسكرية العثمانية "9 ودورات تدريب الضباط في إسطنبول، ومن خلال التفاعل مع التقاليد الأوروبية والاستشراقية (شبوط 2008، ص 20؛ علي 1994، ص 87–88؛ لينسن 2024) "10. ابتداءً من أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، مكّنت المنحُ الحكوميّة الفنانين العراقيين الواعدين من الدراسة في الخارج، بينما بحلول ستينيات القرن العشرين ومع إنشاء هيكليّة فنيّة في البلاد، تلقّى جيل جديد من الفنانين تعليمه الرسمي في الفنون الجميلة داخل العراق نفسه.
بعد عام 1958، شهدت السياسات الثقافية تحولاً جذرياً، ما أفضى إلى ازدهار المشهد الثقافي في بغداد. وفي الوقت ذاته، عزّزت الدولة رعايتها للمؤسّساتها، ورسّخت الواقعية الاشتراكية كإطار جمالي رئيسي للفن (شبوط 2008، 54 – 55). بالنسبة للعديد من الفنانين، لم يكن الانضمام إلى المؤسّسات التي رعتها حركة البعث نابعاً من التزام أيديولوجي بقدر ما كان ضرورة مهنيّة، إذ أصبحت الدولة الراعي الرئيسي للتعليم الفني والمعارض والتوظيف أكثر فأكثر. أدى ذلك إلى خلق بيئة توسّعت فيها الفرص الفنيّة بالتوازي مع تحول الحياة الثقافية إلى هيئة مؤسسات الدولة. وبحلول عام 1980، كانت بغداد قد طوّرت هذه البنية التحتية المؤسسيّة بشكل كافٍ لتمكينها من استضافة أحد أكبر تجمعات الفنانات في المنطقة حتى ذاك الوقت.










