السيرة الذاتيّة
الحياة المبكرة
وُلد أحمد ماطر في تبوك عام 1979، ونشأ في منطقة عسير جنوب غرب المملكة العربيّة السعوديّة، وهي منطقة جبلية خصبة تقع قرب الحدود اليمنية. شهدت سنوات تكوينه فترة تحوّل فكريّ واجتماعيّ عميق في المملكة. إذ أثّر اكتشاف النفط، وتداعيات الاضطرابات المتعدّدة التي شهدتها المنطقة عام 1979 (الثورة الإيرانية واقتحام المسجد الحرام في مكة المكرّمة) وما تلاها من تطرف في الخطاب الدينيّ، تأثيراً بالغاً في نشأته. قدّم عمل والدته كرسامة للوحات القطّ العسيري، وهو فن معماري داخلي محليّ تقوم فيه النساء برسم أنماط هندسية دقيقة على مداخل المنازل بألوان زاهية مستوحاة من النباتات المحلية، أوّل اطلاع له على التراث البصري الحي. وقد أصبح هذا التراث مرجعاً متكرراً خلال مسيرته الفنية.
المسيرة الطبية ودراسة الفن المبكّرة
أنهى ماطر دراسته في الطب والجراحة بكلية الطب بجامعة الملك خالد في أبها، وتخرج عام 2006. تأثر قراره بدراسة الطب جزئيّاً بالحريّة العمليّة التي أتاحتها له هذه الدراسة، إذ مكّنته دراسة جسم الإنسان من رسمه دون مواجهة القيود الدينيّة التي كانت تُقيّد تعليم الفنون في المملكة العربية السعودية آنذاك. في عام 1998، وبينما كان لا يزال طالباً في كليّة الطب، تعرّف على قرية المفتاحة للفنون، وهو مركز ثقافي أنشأه الأمير خالد بن فيصل آل سعود أمير منطقة عسير، في أبها خلال ثمانينيات القرن الماضي. أُنشئ هذا المركز كردّ مقصود على تصاعد النزعة المحافظة الدينيّة في أعقاب أحداث عام 1979. جمعت قرية المفتاحة للفنون فنانين من مختلف أنحاء العالم العربي، وكانت بمثابة حافز لتطوير الفن السعوديّ المعاصر.
في مركز المفتاحة، عمل ماطر تحت إشراف الفنان السعودي الرائد في الحداثة، عبد الحليم رضوي (1939–2006) إلى جانب سعد العبيد (1945–2020)، بالإضافة إلى فنانين من العالم العربي، من بينهم أحمد باقر (1926–2008) من البحرين، ورشيد دياب (1957–) من السودان، ومصطفى عبد المعطي (1938–) من مصر. بتأثير من رضوي، انتقل ماطر من الرسم التمثيليّ إلى أساليب فنية مفاهيميّة ورمزيّة. فتحت تجاربه الأولى بالزيت على القماش المجال لانخراط أوسع في مواد مستمدة مباشرة من البيئة الطبية: فأصبحت صور الأشعة السينية في المستشفيات والرسوم البيانية التشريحية والوثائق السريرية وسائط أساسية بدلاً من كونها مراجع ثانوية.
الانخراط والتعاونات
في عام 2001، شارك ماطر في تأسيس "جماعة شتّا" في أبها مع أشرف فياض وعبد الناصر غارم وعبد الكريم قاسم ومحمد خضر. عملت شتّا كجماعة فنية رائدة، وأصدرت بياناً تحدّى الأعراف السائدة في الممارسة الفنية السعوديّة، والتي كانت آنذاك تدار من قبل وزارة الإعلام. استخدمت الجماعة وسائط مفاهيمية وتجريبية، كالصور الرقميّة والمواد العياديّة والأشياء الجاهزة، من أجل تحدي الروايات الإقليميّة الراسخة والحدود المؤسّسية.
في عام 2003، شارك ماطر، مع الفنانين البريطاني ستيفن ستابلتون وعبد الناصر غارم في تأسيس "حافة الجزيرة العربية" في المفتاحة. تأسست "حافة الجزيرة العربية" كمنصة يقودها الفنانون للتبادل الثقافي بين المملكة العربية السعودية والعالم، ونمت على مدار العقد التالي لتصبح إحدى أهم الوسائل للترويج للفن السعودي المعاصر على الصعيد الدولي. بعد خمس سنوات من التطوير، أقامت المجموعة في عام 2008 أوّل معرض دوليّ كبير لها في غاليري بروناي التابع لكلية الدراسات الشرقيّة والإفريقية (SOAS) في لندن. وفي العام ذاته، اقتنى المتحف البريطاني لوحة "الأشعة السينية" (2003) لماطر، وأدرجها ضمن "الكلمة تتحول إلى فن"، وهو أشمل استعراض للفن المعاصر في الشرق الأوسط أقيم في أوروبا حتى ذلك الحين. وفي عام 2009، كان ماطر من بين ثمانية فنانين سعوديين شاركوا في بينالي البندقية الثالث والخمسين، مسجّلاً بذلك، إلى جانب الجناح الإماراتي الافتتاحي، أوّل عرض لفنانين من الخليج في تاريخ البينالي.
التحول من الطب إلى التفرغ للفن
واصل ماطر ممارسة الطب. وفي عام 2009، عمل طبيباً خلال النزاع على الحدود السعودية اليمنيّة، وهي تجربة عمّقت فهمه للطب بوصفه شكلاً من أشكال الشهادة والتدخل العلميّ. ومع اتساع نطاق شهرته الفنيّة العالميّة، أخذ يبتعد تدريجياً عن مهنة الطب، حيث عرض أعماله في السعودية والشرق الأوسط وأوروبا وأميركا الشمالية. وفي عام 2011، انتقل إلى جدّة، وأسّس مع زوجته السابقة، الفنانة أروى النعيمي (1985–)، "استوديو فاران"، منصة مستقلّة للمعارض والتبادل النقدي، تعمل خارج الأطر المؤسسية. وفي عام 2013 تقريباً، أسّس ماطر "ابن عسير"، وهو تجمّع فنيّ يضم فنانين ومصممين من أبها، مخصّص للإنتاج الثقافي الإقليمي.
في عام 2017، أصبح ماطر المدير المؤسّس لمعهد مسك للفنون في الرياض، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2019. وخلال فترة وجوده في المنصب، أشرف على افتتاح الجناح الوطني السعودي في بينالي البندقية للعمارة. وفي عام 2021، أسّس مرسمه في حي جاكس بالدرعية، حيث تابع عمله الفنيّ وشغل منصب مستشار ثقافي لوزارة الثقافة. أصبح أيضاً عضواً في الهيئة العامة للثقافة. وفي عام 2024، أعيد تعيينه مديراً لمعهد مسك للفنون. تُعرض أعمال ماطر في مجموعات فنية عالمية مرموقة مثل المتحف البريطاني ومتحف فيكتوريا وألبرت ومركز بومبيدو في باريس.