نبذة
إيتيل عدنان (1925–2021) فنانة تشكيلية وشاعرة وكاتبة لبنانية أميركية، عبرت مسيرتها الفنية قارات ولغات ووسائط فنية متعددة. وُلدت في بيروت، ودرست الفلسفة في باريس والولايات المتحدة، وبدأت الرسم في كاليفورنيا في سن الرابعة والثلاثين. شمل فنها متعدد التخصصات اللوحات الزيتية والخزف الجداري والمنسوجات والدفاتر الفنية المطوية التي جمعت بين الكتابة العربية والشعر. تناولت أعمال عدنان الأدبية، ولا سيما رواية "الست ماري روز" وكتاب "سفر الرؤيا العربي" الذي ضم 59 قصيدة، الحرب الأهلية اللبنانية والصراعات الجيوسياسية، وهي أعمال كُتبت بعد انتقالها إلى الولايات المتحدة. تعاونت عدنان مراراً مع مسرحيين وموسيقيين معاصرين. في سنواتها الأخيرة، استكشفت عدنان موضوعات الكون وحالة الإنسان إلى جانب المناظر الطبيعية والطبيعة، خصوصاً جبل تامالبايس، أحد أبرز معالم خليج سان فرانسيسكو.
سيرة ذاتية
إيتيل عدنان رسامة وفنانة تشكيلية وشاعرة وكاتبة لبنانية أميركية. ولدت ونشأت في بيروت، وهي الابنة الوحيدة لأم يونانية من إزمير (كانت قد غادرت المدينة عام 1922 مع نهاية الاحتلال اليوناني) وضابط عربي دمشقي من الفترة العثمانية، تقاعد في بيروت بعد هزيمة الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى. كانت تتحدث التركية مع والديها في المنزل والفرنسية في المدرسة والعربية مع صديقاتها. شهدت حياتها محطات حافلة عبر عدة لغات ومدن وقارات: بيروت، المدينة التي ولدت فيها، ثم غادرتها، ثم عادت إليها، ثم غادرتها مرة أخرى؛ إزمير، التي لم ترها أبداً، لكنها تخيلتها من خلال حكايا والدتها؛ دمشق، المدينة التي سافرت إليها كثيراً مع والدها لزيارة الأقارب؛ باريس، حيث تابعت دراستها العليا وقضت سنواتها الأخيرة؛ ومنطقة خليج سان فرانسيسكو، حيث اتخذت في قرية سوساليتو الساحلية منزلاً لها. سافرت بين هذه الأماكن (من آسيا الصغرى إلى أوروبا إلى أميركا ثم عادت إلى أوروبا) والتي كانت على حد تعبيرها "منافٍ" مختلفة.
بدأ شغفها بالشعر من خلال جملٍ كانت تبنيها من كلماتٍ تعلمتها من مُدرسة اللغة الفرنسية، واستمر هذا الشغف عبر قراءة الشعراء الفرنسيين. ورغم أن والدها قد عملَ في وظائف عدة بعد تقاعده من الجيش، فإن الأسرة عانَت من ضائقة مالية. وعندما بدأت هي بالعمل في وظائف مكتبية صغيرة في لبنان لصالح سلطات الانتداب الفرنسي، أصبح احتكاكها بالاستعمار مباشراً وفجاً. توفي والدها عام 1947، تاركاً والدتها وحيدةً. وبعد عامين، في عام 1949، انتقلت عدنان إلى مهجرها الأول باريس، المدينة التي عرفتها من خلال الشعر، وذلك بعد حصولها على منحة دراسية لمتابعة تعليمها العالي في جامعة السوربون. بحلول ذلك الوقت، كانت الجزائر قد بدأت نضالها من أجل الاستقلال عن فرنسا. ازداد نفور عدنان من استخدام اللغة الفرنسية التي شكلت نموها الفكري، مما دفعها إلى فترة هجرة ثانية إلى الولايات المتحدة، حيث انتقلت عام 1955 لمتابعة دراسة الدكتوراة في الفلسفة بجامعة كاليفورنيا، بيركلي. في عام 1956، أوقفت دراستها وسافرت إلى المكسيك. وفي عام 1957، انتقلت إلى جامعة هارفارد لمواصلة دراستها في الدكتوراة، لكنها تخلت عن دراستها الأكاديمية بعد عام واحد. وفي ذلك العام، توفيت والدتها، تاركةً إياها من دون عائلة في بيروت.
الفترة الأولى في كاليفورنيا
في عام 1958، بدأت عدنان تدريس الفلسفة في كلية دومينيكان في سان رافائيل (جامعة دومينيكان في كاليفورنيا حالياً). كانت في الرابعة والثلاثين من عمرها عندما بدأت الرسم لأول مرة، وكان ذلك بعد عام من بدء مسيرتها التدريسية. عندما طلبت رئيسة القسم، آن أوهانلون (1908–1998)، الاطلاع على أعمالها، أقرت عدنان بأنها لم ترسم من قبل، مشيرةً إلى أن والدتها أخبرتها بأنها غير موهوبة. ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، بدأت بعرض لوحاتها في المراكز الفنية والمعارض في أنحاء سان فرانسيسكو. بعد لقائها بريك بارتون، وهو فنان من منطقة خليج سان فرانسيسكو ومحارب قديم في حرب فيتنام، في أحد المقاهي عام 1963، أصبحت دفاترها الورقية القابلة للطي (ليبوريلو) التي ابتكرها محوراً أساسياً في مسيرتها الفنية. في دفاترها الأولى، بدأت عدنان، التي تعلمت اللغة العربية من الشارع، الكتابة بالخط العربي، مستخدمةً اقتباسات من شعراء عرب. ضم أول هذه الكتب، المشغول بالحبر والفرشاة، قصائد للشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926–1964)، الذي وافته المنية في سن مبكرة. وتلتها كتب أخرى، احتوت على أشعار يوسف الخال (1917–1987)، وأدونيس (1930–)، ومحمود درويش (1941–2008)، وجورج شحادة (1905–1989)، وغيرهم. لاحقاً، انضم إليهم شعراء غربيون، لكن البُعد البصري للخط العربي ظل محوراً أساسياً في حياتها. بعد ذلك، أفضى اهتمام عدنان بالصلة الإبداعية بين الكتابة اليدوية والرسم إلى إقامة معرض في متحف بومبيدو ميتز في عام 2021، والذي تضمن إلى جانب أعمالها مواد من العديد من الفنانين والكتاب الآخرين، بما في ذلك فيكتور هوغو، وآرثر رامبو، وأنطونين أرتو، ورولان بارت، وبيير أليشينسكي، ولويز بورجوا.
ومع أنها لم تتوقف عن الرسم، فقد بدأت عدنان منذ منتصف الستينيات بإضافة تقنيات ووسائط فنية متنوعة إلى فنها. بدأت بحضور ورش عمل النساجة إيدا غراي، من خليج سان فرانسيسكو، وأخذت تبتكر تصاميم سجاد فريدة بعد سفرها إلى تونس والمغرب ومصر عام 1966. بقيت تلك التخطيطات في الأدراج لعقود، مما دفع عدنان إلى القول في أواخر حياتها "الموسيقى، مثل السجاد، لا وجود لها إلا عبر وسيط". دُعيت لعرض أعمالها في معرض دوكومنتا 13 عام 2012، فاختارت أن تُنسج تصاميمها للسجاد في ورشة بينتون في أوبوسون، التي لطالما اعتُبرت مركزاً لصناعة السجاد في فرنسا. لاحقاً، بدأت في ابتكار جداريات خزفية للأماكن العامة حتى يتمكن الناس الذين لا يستطيعون رؤية لوحاتها وجهاً لوجه من الاستمتاع بعملها الفني. اثنتان من تلك الخزفيات معروضتان في جامعة قطر، وواحدة في متحف ليل متروبول للفن الحديث والمعاصر والفن الخام. ومن المنطلق ذاته، تُصور أفلامها بتقنية 8 ملم في نيويورك خلال ستينيات القرن الماضي عزلة البشر المحصورين بين ناطحات السحاب، حيث تبدو المدينة مهجورة ظاهرياً لكنها في حركة دائمة. منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت أيضاً في إنتاج الحفر. ونظراً للحاجة إلى الاعتماد على الحرفيين لطباعة محفوراتها، كتبَت "...معرفتي بأن هذه المحفورات تتطلب تعاوناً، هو أمر يُخرجني...من العزلة المرتبطة بالرسم."




