السيرة الذاتيّة
سنواته الأولى في بيروت وتدريبه الفني الأكاديمي في باريس
وُلد فيليب موراني في بيروت عام 1875، ونشأ في بيئة مسيحية مارونية تتكلم الفرنسية، وتلقى دروسه الأولى في الرسم في جامعة القديس يوسف اليسوعية. بعد دراسته في بيروت، أمضى خمس سنوات في روما، ثم انتقل إلى باريس حيث التحق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة. هناك، تلقى تدريباً في التقاليد الأكاديمية التي تركز على دقة الرسم والواقعية، ودرسَ على يد أساتذة بارزين مثل الرسام التاريخي الفرنسي الشهير جان بول لورانس (1838–1921).
عقب تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة، حظي موراني بشهرة واسعة في دائرة الفن الفرنسية، ففي عام 1901، اقتنى المركز الوطني للفنون التشكيلية، وهو هيئة فرنسية حكومية مسؤولة عن المجموعات الفنية العامة، لوحة مائية له صورت الحياة اليومية في جبل لبنان وتُظهر فلاحاً يبيع الفاكهة لامرأة ترتدي الزي الدرزي التقليدي. خلال العقدين التاليين، عاش موراني حياةً متنقلة بين باريس حيث أصبح يقيم، وبين بلاد الشام وشمال إفريقيا.
عاد إلى بيروت مراتٍ عدة، وانضم إلى علماء آثار فرنسيين في بعثات إلى الأردن ومصر، كما سافر إلى سوريا والجزائر. قدمت تجربة موراني المباشرة لهذه المناطق موضوعات لعدة سلاسل من اللوحات التي صورت سكانها ومناظرها الطبيعية ومعالمها، وقد عرضها بانتظام في معارض مهمة في باريس، مثل صالون جمعية الفنانين الفرنسيين ومعرض الرسامين المستشرقين الفرنسيين. حظيت هذه الأعمال بإشادة نقدية في الصحافة الفنية الفرنسية التي أثنت على دقته في التفاصيل وأُعجبت بتنقلاته، حيث كان ينتقل كل بضعة أشهر بين فرنسا وشمال إفريقيا وبلاد الشام.
رسام مستشرق من بلاد الشام في باريس
أقام موراني في القاهرة خلال الحرب العالمية الأولى، وعاد إلى باريس عام 1920. خلال عشرينيات القرن العشرين، شارك مراراً في معرض "صالون الفنانين الفرنسيين" المحافظ، الذي حافظ على مكانته المرموقة رغم منافسة الحداثة له. في باريس، استقطب موراني شريحةً كبيرة من جمهور الفن الذي ظل مهتماً بصور الشرق الأدنى وشمال إفريقيا في وقت الاستعمار الفرنسي في العشرينيات. اتبعت لوحاته التي عرضها في فرنسا سمات الرسم الاستشراقي، إذ أبرزت صورة مفترضة عن خلود الشرق وتقهقره وتمسكه بالتقاليد الدينية وغرائبيته وجاذبية الجسد الشرقي الإيروتيكية في أحيانٍ قليلة. حقق موراني بتبنيه هذه التقاليد شهرةً واسعة ضمن بيئة باريسية حاضنة.
رسم موراني مواقع أثرية قديمة، مثل أطلال المعابد الرومانية في بعلبك بلبنان، بالإضافة إلى المساجد والكنائس التاريخية. وتضمنت لوحاته مشاهد من الحياة اليومية في القاهرة ودمشق، من بينها أماكن التجمع العامة، كالنوافير ومساحات التجارة كالأسواق المزدحمة وورش الحرفيين وأماكن الترفيه بمشاهد الموسيقيين والمقاهي. غامر موراني أيضاً مبتعداً عن المدن لرسم الحياة القروية والمناظر الطبيعية التي لم يمسها الإنسان تقريباً، والتي امتدت من الصحاري المصرية إلى غابات أشجار الأرز في جبل لبنان.
نشاط موراني في بيروت خلال فترة الانتداب الفرنسي
في فترة ما بين الحربين العالميتين، ورغم إقامته في باريس، لعب موراني دوراً بارزاً في دعم المشهد الفني المتنامي في بيروت إبان الانتداب الفرنسي. خلال ثلاثينيات القرن العشرين، شهدَت المدينة ظهور معارض الفنون العامة الكبرى، وهو نمط عرض فني أوروبي كان نادراً آنذاك. شارك موراني في معظم المعارض الجماعية الكبرى في ذلك العقد، بدءاً من معرض الرسم والحفر في مدرسة الفنون والحرف عام 1931، وصولاً إلى صالون أصدقاء الفنون المرموق بين عامي 1938 و1942. وبحلول أواخر أربعينيات القرن العشرين، أقر نقاد الفن اللبنانيون بأنه أحد أهم المواهب الفنية التي برزت من بلادهم في النصف الأول من القرن العشرين، وأشادوا بإتقانه لمبادئ الشكل في الرسم الأكاديمي، لكنهم اعتبروا أسلوبه قديماً وغير مواكب للاتجاهات الحداثية.
التكليفات الحكومية في لبنان في ظل الانتداب الفرنسي
تلقى موراني تكليفاتٍ عدة من قبل سلطة الانتداب الفرنسي. لدى إعلان قيام دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر عام 1920، كُلِف برسم صورة للمندوب السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو واقفاً منتصراً على درج مقر إقامته، محاطاً بشخصيات دينية مسيحية ومسلمة وشخصيات سياسية محلية. في عام 1931، كان لموراني دورٌ بارز في إنشاء جناح بلاد الشام في المعرض الاستعماري في ڤانسن في فرنسا. صمم هذا الجناح المهندس المعماري السوري أوليس موصللي (1899–1987)، وقُسِم إلى عدة أقسام، مثل كل قسم منها دولة من دول بلاد الشام الخاضعة للانتداب.
كُلِف موراني بتصميم الديكور الداخلي لكامل الجناح، وعرضَ لوحاتٍ أبرزَت الصلة بين دول الانتداب المعاصرة والتاريخ الروماني والتاريخ التوراتي: فقد عرض بانوراما لمعابد بعلبك الرومانية ولوحة لأرز لبنان ومنظراً لمدينة تدمر في سوريا، وأخرى لأنطاكيا في تركيا. وفي "معرض إكسبو الدولي للفنون والتقنيات في الحياة الحديثة" عام 1937، طُلِب من موراني مجدداً المساهمة في جناح دول بلاد الشام، هذه المرة بأثاث وتصميم داخلي مستلهمين من الطراز الفينيقي.
كان موراني مقرباً من سياسيين مسيحيين لبنانيين متحالفين مع فرنسا، مثل إميل إده (1883–1949)، صديقه وأحد زبائنه، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية اللبنانية بين عامي 1936 و1941. خلال فترة رئاسة إده، دُعي موراني للمشاركة في الترويج للسياحة في لبنان وتحديث صورة لبنان في الخارج. في عام 1936، فاز بمسابقة لتصميم سلسلة من الطوابع البريدية التي صورت رياضة التزلج في جبل لبنان، والتي صُممت للترويج لمحطات الرياضات الشتوية التي كانت قد أنشئت حديثاً في البلاد. بعد ذلك بعامين، صمم طابعاً تذكارياً بمناسبة مرور 10 سنوات على افتتاح خط الطيران بين مرسيليا وبيروت. كما صممَ طوابع بريدية ذات مواضيع وطنية متنوعة، بما في ذلك المعابد الرومانية في بعلبك، وقصر أمراء جبل لبنان في بيت الدين الذي يعود للقرن التاسع عشر، وجناح دول بلاد الشام في المعرض الدولي في باريس عام 1937، وشجرة الأرز.
موراني في الصحافة المطبوعة
في عشرينيات القرن العشرين، وصلت لوحات موراني إلى جمهور أوسع من خلال الصحافة المطبوعة. نُشرت أعماله في صحف ومجلات مصورة مثل "لو بوتي باريزيان" و"لو فيغارو إيلوستري" و"إيلوستراسيون". كما أنتج روايات مصورة باللغة الفرنسية، وطُبعت لوحاته للمناظر الطبيعية في أدلة سياحية للبنان وسوريا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. نشرَ الرسام أيضاً نظرياته حول الفن في المجلات اللبنانية الناطقة بالفرنسية. آمن بقيم الفن التعليمية والأخلاقية، وربط بين التعليم الفني والنهضة الاجتماعية. كما شجع تعليم الفن وتاريخه في وطنه باعتباره أداة لبناء الأمة، وأشاد بفرنسا لسماحها بتمثيل الثقافة اللبنانية في المعارض الدولية. في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وبالتعاون مع الصحفي روبرت أبيلا، ابتكر مجموعةً جديدة من حروف الطباعة العربية، حيث كانت الحروف منفصلة وليست متصلة، لتسهيل الطباعة الآلية. استقر موراني في فرنسا نهائياً عام 1940. أصبحَ نشاطه بطيئاً بعد الحرب العالمية الثانية، وتوفي في باريس عام 1970.