’التجريد العربي‘ والتواريخ المختلفة للحداثة
على الرغم من أن التجريد قد ظل محور اهتمام حلبي الفني منذ بداية مسيرتها، فقد نظرت إليه كوسيلة لاستكشاف البنى التي تنظم العالم المادي أكثر من كونه إلغاء للموضوع أو لغة شكلية مستقلة منفصلة عن التجربة المعيشة. إن مراقبة الظواهر الطبيعية والبحث العلمي والتأمل التاريخي كلها عوامل تؤثر في لوحاتها التي تسعى إلى إظهار العلاقات بين الحركة والإيقاع واللون والإدراك. يرتبط فهم حلبي للتجريد أيضاً بنظرتها الماركسية للعالم. فبتأثرها بالمادية التاريخية والتطلعات الثورية للحركة الطليعية الروسية، تعتبر الفنانة الممارسة الفنية مرتبطة جوهرياً بعمليات تاريخية أوسع نطاقاً بدلاً من كونها نشاطاً جمالياً معزولاً. وترى حلبي في كتاباتها أن التجريد لا ينفصل عن الظروف المادية للمجتمع، أو عن القدرة الجماعية للبشر على فهم العالم وتغييره من خلال النضال. وبدلاً من وضع السياسة في تعارض مع التجريب الشكلي، تعتبر التجريد نفسه لغةً ثورية، قادرة على التعبير عن الحركة والتغيير والعمليات الجدلية التي تميز كلاً من الطبيعة والتاريخ. وعلى هذا، تحتل الطبيعة مكانة محورية في هذا البحث. تدرس حلبي العمليات التي تحكم النمو والحركة والتحول: فإن عناصر كالضوء العابر لأوراق الشجر وحركة المياه المتدفقة والتكوينات الجيولوجية وديناميكيات الرياح، تقدم نماذج للتنظيم التصويري. غالباً ما تستحضر لوحاتها هذه الظواهر من خلال ضربات فرشاة متقطعة وعلاقات لونية متغيرة وبنى مكانية معقدة توحي بحركة مستمرة عبر سطح اللوحة. كثيراً ما عقدت مقارنات بين التكوين الفني والمبادئ التنظيمية الموجودة في الطبيعة، من منطلق أن التجريد يوفر وسيلة لفهم العالم المادي بدلاً من الهروب منه.
ومن بين أهم إسهامات حلبي النظرية، صياغتها لمفهوم "التجريد العربي"، وهو مفهوم يتحدى الروايات التاريخية التقليدية التي ترجع أصول التجريد الحديث حصراً إلى تاريخ الفن الغربي. فبممارستها الفنية وكتاباتها، تجادل حلبي بأن الأنظمة البصرية الهندسية والنمطية والحركية التي تطورت في الفن العربي والإسلامي تشكل أشكالاً متطورة من التجريد طالما أغفلها الغرب، وهي فكرة تبلورت تدريجياً نتيجة لدراستها للعمارة والزخرفة خلال رحلاتها في الشرق الأوسط. وقد كان لقبة الصخرة في القدس أثر بالغ في هذا الصدد. فإلى جانب أهميتها الدينية والتاريخية، انبهرت حلبي بعد زيارتها بالتنظيم البصري لجدرانها الرخامية والعلاقات القائمة بين الوحدات المتكررة والتنويعات، والتفاعل بين الهندسة واللون والفضاء المعماري. وقد أثر انتباه مماثل في تفاعلها مع الجامع الكبير في دمشق ومعالم أخرى، حيث توصلت إلى مبادئ معقدة للتنظيم البصري تتحدى التمييزات التقليدية بين الزخرفة والتجريد. ترى حلبي أن مصطلح "التجريد العربي" لا يشير إلى حركة تاريخية، بل إلى نمط من التفكير البصري المتجذر في الهندسة والحركة ومراقبة الطبيعة، تفكيرٌ تطور عبر قرون من التقاليد الفنية العربية والإسلامية. ولقد حاججت بأن البنى المتكررة للزخرفة لا ينبغي فهمها على أنها مجرد زخارف، بل كنظم بالغة التعقيد توجه الإدراك وتؤسس علاقات بين الأشكال المحدودة والفضاء اللامتناهي. وبهذا المعنى، تكتسب الزخرفة دلالة مفاهيمية وليس فقط جمالية.
يشكل هذا التأويل نقداً للسرديات السائدة عن الحداثة. حيث تختبر حلبي افتراض أن الفنانين العاملين خارج الغرب يستخدمون التجريد لمجرد تقليد الابتكارات الغربية. وتقترح بدلاً من ذلك أن تاريخاً متعدداً للتجريد يتعايش ويتقاطع، فالعمارة الإسلامية وفن الرسم في عصر النهضة والبنائية الروسية والتجريد الأميركي والوسائط الرقمية المعاصرة، كلها جزء من تاريخ أوسع للبحث الفني. تجسد لوحاتها هذا الموقف، وهو ما يمثل رفضها المستمر للقراءات الاختزالية والجوهرانية للهوية الفنية. فالتجريد بالنسبة إليها وسيلة لإدخال التقاليد الفنية المتنوعة في حوار، بما يسمح للتراث الثقافي بالعمل كمجال مفتوح وقابل للتطور بدلاً من بقائه علامة ثابتة للهوية.
فلسطين والممارسات التوثيقية
إلى جانب بحثها الفلسفي في التجريد، كان للالتزام السياسي دورٌ كبير في أعمال حلبي طوال مسيرتها الفنية، متخذاً أشكالاً مختلفة تبعاً للوسيط والغاية. ميزت حلبي دوماً بين لوحاتها التجريدية ومشاريعها الوثائقية، مؤكدةً أنها تتفاعل مع أسئلة فنية وتاريخية مختلفة. لا ينبغي فهم هذا التمييز على أنه فصلٌ بين العمل السياسي وغير السياسي، إنما كانعكاس لنهج تخطيطي الفنية يسمح للأعمال الفنية بالعمل بطرق مختلفة وفقاً للسياق والهدف.
يعيد مشروعها الوثائقي الأكثر شهرة "رسم مجزرة كفر قاسم" (1999–2012)، بناء الأحداث المحيطة بمقتل ثمانية وأربعين مدنياً فلسطينياً على يد شرطة الحدود الإسرائيلية في 29 أكتوبر 1956. يستند المشروع إلى بحثٍ أرشيفي ومقابلات مع ناجين وعائلات الضحايا، ويجمع بين الرسم والشهادة والتوثيق التاريخي لحفظ ذكريات لم تحظ باعترافٍ عامٍ كافٍ. يعمل الرسم هنا كأداة شهادة تاريخية في المقام الأول، موثقاً تجارب صمدت أمام الطمس. وعلى غير ذلك، تتناول لوحات حلبي التجريدية قضايا سياسية من خلال وسائل شكلية. نادراً ما عبرت الأعمال التي تحمل عناوين تستحضر فلسطين أو المنفى أو حركات التحرير الفلسطينية عن مقاصدها السياسية عبر التمثيل التشخيصي. بدلاً من ذلك، يصبح كلٌ من الحركة واللون والإيقاع أدواتٍ للتعبير عن التحول والصمود والتجربة الجماعية. وبهذا المعنى، لا ينظر إلى التجريد على أنه هروب من السياسة، بل كلغة قادرة على معالجة الواقع التاريخي دون التعبير عنه بطرق تمثيلية.
ساعد هذا التموضع حلبي على النأي بنفسها عن التوقعات التي تفرض عادةً على الفنانين الفلسطينيين لإنتاج صور نمطية للنضال الوطني. فبينما أقرت بأهمية التمثيل التوثيقي، أصرت في الوقت ذاته على إمكانية التجريد أن يكون نمطاً من أنماط المقاومة السياسية. تؤكد لوحاتها على حق الفنانين الفلسطينيين في المشاركة الكاملة في تاريخ الفن الحديث دون التخلي عن خصوصية تجربتهم الذاتية. كما أنها تسائل الافتراض القائل بأن عالمية اللغة الفنية تمحو بالضرورة الاختلافات الثقافية أو السياسية. بل أن حلبي ترى بأن التجريد نفسه يمكن أن يصبح موضعاً يعاد فيه تصور تواريخ التهجير والمقاومة والاستمرارية الثقافية.
الفن الرقمي والكتابة والتدريس
منذ أوائل التسعينيات، وسعت حلبي نطاق استكشافها للحركة ليشمل الوسائط الرقمية، لتصبح بذلك من أوائل الفنانين العرب الذين جربوا بشكل منهجي التجريد المولد بالكمبيوتر. باستخدام كمبيوتر أميغا 2000، طورت برنامجاً مكنها من إنشاء أشكال تجريدية متحركة قادرة على التطور في اللحظة الحية. وعلى عكس الرسوم الرقمية المصممة كرسوم توضيحية أو تصميم، تتعامل هذه الأعمال مع الكمبيوتر كأداة فنية قادرة على توليد علاقات بصرية متغيرة باستمرار. وصفت حلبي لوحة المفاتيح بأنها "بيانو تجريدي" يسمح لها بتأليف صور متحركة بدلاً من لوحات ثابتة.
توجت هذه التجارب بعروضٍ قدمتها "جماعة الرسم الحركي"، التي أسستها مع الملحن كيفن ناثانيال وعازف الإيقاع حسن بكر. جمعت هذه العروض بين الرسوم المتحركة المولدة رقمياً والموسيقى الحية، واستكشفت العلاقة بين اللون والإيقاع والصوت والحركة. اعتبرت حلبي التكنولوجيا الرقمية وسيلة لتوسيع الإمكانيات الكامنة في الفن التجريدي، ولم تكن تنوي التخلي عن الرسم تماماً. لقد عكس انتقالها من اللوحة القماشية إلى الصورة المتحركة اهتمامها الراسخ بتمثيل الحركة كمبدأ أساسي للتجربة البصرية، بدلاً من خداع بصري مشغول ضمن التراكيب الثابتة. وبنظرة استعادية، فإن هذه الأعمال قد استبقت التطورات اللاحقة في الفن الرقمي والخوارزمي، مع بقائها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالانشغالات الشكلية التي شكلت لوحاتها منذ الستينيات.
إلى جانب إنتاجها الفني، قدمت حلبي إسهامات هامة ككاتبة ومنظرة ومعلمة. درست في العديد من المؤسسات الأميركية طوال مسيرتها الأكاديمية، فقدمت دروساً جمعت بين الممارسة العملية في الاستوديو والتعمق في تاريخ الفن ونظرياته. كما أصبحت منشوراتها مراجع مهمة للدراسات المتعلقة بالفن الفلسطيني الحديث وتاريخ الفن التجريدي في العالم غير الغربي. من بين أشهر كتبها: كتاب فن التحرير الفلسطيني: الرسم والنحت الفلسطيني في النصف الثاني من القرن العشرين، (2001)، وهو من أوائل الدراسات الشاملة للفن الفلسطيني الحديث. وكتاب أشكال متنامية: رؤى جمالية لفنانة تجريدية، (2016)، الذي جمع مقالات ومذكرات وتأملات حول ممارستها الفنية. عبر كتاباتها هذه، دعت حلبي إلى فهم أوسع للحداثة، فهم يقر بإسهامات الفنانين الذين يعملون خارج المراكز التقليدية لتاريخ الفن الأوروبي والأميركي الشمالي.