السيرة الذاتيّة
وُلِد يحيى التركي (المولود باسم يحيى بن محمد بن الحاج رجب الحجام) في اسطنبول عام 1902 (تاريخ الميلاد غير مؤكّد) لأم تركيّة وأب تونسيّ من جربة، تونس. والدته، المطرزة الماهرة التي عملت أمام ابنها، عرّفت يحيى الصغير على الأشكال والألوان والزخارف، مُغذّيةً حسّه الجماليّ منذ الصغر. توفيت عندما كان في السادسة فقط من العمر. بعد ذلك، قرّر والده العودة إلى تونس، حيث أسّس مع شقيقه محلاً لتصفيف الشعر في شارع ليون روش (شارع مصطفى مبارك حالياً) في تونس. أكمل التركي دراسته الابتدائية في ملحق "إعداديّة الصادقيّة" قبل الالتحاق بمدرسة كارنو الثانوية. في الوقت ذاته، كان لزياراته المتكرّرة للمدرسة القرآنيّة أثر تكوينيّ. ووفقاً للفنان والباحث خالد الأصرم (1949–)، تعرّف التركي هناك على الأعمال الخطيّة المزخرفة التي أنشأها الخطاطون المحترفون على الألواح الكتابيّة. مُبدياً موهبة وشغفاً بهذه الحرفة، أُوكلت إليه مهمّة تزيين ألواح الطلاب. ومن خلال هذه التجربة، تعلّم التركي الرسم والألوان، وتعلّم التعامل مع الأصباغ النباتيّة والملوّنات الطبيعية الشائعة الاستخدام في الفنون الزخرفيّة.
في "ثانويّة العلوي"، التقى التركي بالعديد من المعلمين المؤثّرين، بمن فيهم الرسامَين المستشرقَين والاستعماريَين جورج جان ليمار (1866–1942) وألكسندر فيشيه (1881–1967). ورغم هذه البدايات الفنيّة الواعدة وتشجيع ليمار، اضطر التركي إلى قطع تعليمه الفنيّ بسبب سوء حالة والده الصحيّة وضغطه. التحق بالخدمة المدنية، وعمل لمدّة خمس سنوات مسؤولاً إدارياً مالياً. مكّنه هذا المنصب الإداريّ من شراء لوازم فنيّة، ما سمح له بمواصلة الرسم. في عام 1923، عرض التركي أعماله لأوّل مرّة في الصالون التونسي، حيث قدّم لوحتين زيتيتين: "Voûte de Hadjamine" و"ساحة باب سويقة". وأشاد فيشيه، رئيس الصالون والذي عرفه من ثانوية العلوي، بالتقدّم الذي أحرزه التركي وشجّعه على إتقان المنظور الكلاسيكي مع إثراء معارفه في تاريخ الفن. وبفضل هذا التقدير، أوقف التركي واجباته الإداريّة وكرّس نفسه بالكامل للتعليم الفنيّ في مركز تعليم الفنون الذي افتُتح حديثاً، حيث شجّعه مديره بيير بوير (1865–1933) على التسجيل وساعده في الحصول على منحة إعالة الطلاب عام 1924.
ومع ذلك، بعد خمسة أشهر، توقّف عن دراسته بهدف تطوير المهارات التقنيّة والمعرفة النظريّة بشكل منفصل عن التمثيلات الاستعماريّة الفرنسيّة في شمال إفريقيا والتي هيمنت على المشهد الفنيّ في زمنه. في سعيه لتطوير صوت فنيّ مستقلّ، استكشف التركي المدينة القديمة بحثاً عن مواضيع تعكس ما أسماه المنظور التونسيّ الأصيل. جاب الشوارع والأحياء يخطّط ويرسم مشاهد من الحياة اليوميّة في الهواء الطلق. ورغم اعتماده على تقنيات أوروبيّة، إلّا أنّه كان يهدف أن تجسّد تمثيلاته ما يمكن تسميته بالثقافة المحليّة ردّاً على النظرة الاستشراقيّة الغريبة التي نزعَ إليها الفنانون الاستعماريون المقيمون في تونس. واصل التركي تعليمه الفنيّ في باريس وعاش بين عامي 1926 و1928، ثم مرة أخرى بين عامي 1931 و1935. خلال تلك الفترات، تردّد على الأكاديميات المستقلّة مثل "أكاديمية جوليان" و"لا غراند شوميير"، حيث واجَهَ تأثيرات فنيّة متنوعة ونفذّ أعمالاً مثّلت العمارة القوطيّة والعريّ والمناظر الطبيعيّة الأوروبيّة والعديد من التخطيطات والرسوم.
كانت التجربة الباريسيّة محوريّة في تشكيل فلسفة التركي الفنيّة. ألهمته الحركة الانطباعيّة بشكلٍ خاصّ. دمج التركيّ مبادئ الانطباعيّة مع الموضوعات التونسيّة المعاصرة، ما عيّنَ لحظةً حاسمة في ظهور ممارسة إبداعيّة متجذّرة في المراقبة والتجربة المحليتين. لدى عودته إلى تونس، عزّز التركي رؤيته من خلال التركيز على ما أسمته مؤرخة الفنّ علياء نخلي "التونسيّة" (التوْنِسيّة/الذات التونسية/الشخصية التونسية). لقد عكسَ هذا المفهوم، الذي كان مُتبنّى أيديولوجيا الاستقلال في أواخر الفترة الاستعمارية، ثم في رؤية الرئيس الحبيب بورقيبة أثناء الاستقلال وبعده، المشاعرَ القوميّة الناشئة في ذلك الوقت. وازَن منهج الفنان بين المهارات التقنيّة والمعرفة النظريّة للفن الحديث المكتسبة جميعها من المؤسّسات الاستعمارية، والتزامه بتوثيق واقع المجتمع التونسيّ المعاصر. وقد اختلف هذا المنهج اختلافاً ملحوظاً عن الاستشراق الفرنسيّ المتأخر في شمال إفريقيا.
صنّفت الفنانة والباحثة عائشة الفيلالي (1956–) أعمال التركي إلى ست فئات: المدينة القديمة (مشاهد الشوارع، الحياة اليومية، الحشود، المساحات المعمارية)، البورتريهات، الطبيعة الصامتة، المناظر الطبيعية، دراسات البيئة (التي تضم أبرز ما في الحياة المجتمعية التونسية المثالية بما في ذلك حفلات الزفاف، التجمّعات الرجالية، حصاد الزيتون، زيارات الموتى)، الأعمال المتنوّعة التي نفّذها بشكل أساسيّ أثناء إقامته في أوروبا.
خلال فترة إعادة الإعمار التي أعقبت الاستقلال، كلّفت الحكومة التونسية التركي بإنجاز أعمال تزينيّة كبيرة للأماكن العامة والمؤسّسات. لاحقاً، اقتنت الحكومة والبلديات في جميع أنحاء تونس العديد من أعماله. كان التركي محبوباً من قبل الحلقات الاستعمارية وأصحاب الأرض على حد سواء، وأصبح يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره ما أطلق عليه علي بن سالم "الأب"، أو "ماليرب Malherbe" الرسم التونسي حسب تعبير حاتم المكي (1918–2003). جاءت تسميات مثل "صانع الصورة"، و"راوي القصص"، و"الملوِّن"، و"الفطريّ" لتعريف عمل هذا الرسّام الذي روى حياة الناس العاديين باستخدام تقنيات التصوير الأوروبيّة موظّفاً بإصرار مواضيع تونسية.
في عام 1947، انضمّ التركي إلى "مجموعة العشرة" والتي سُمّيت لاحقاً في عام 1951 مدرسة تونس. بعد استقلال تونس عام 1956، خلَف بيير بوشرل (1894–1988) رئيساً لمدرسة تونس، ما مثّل تحوّل المؤسسة الاستعماريّة إلى مؤسّسة وطنيّة رأَسَها رسامٌ "مسلم" لأوّل مرة، كما تشير معظم المصادر من تلك الفترة. وظلّ يشغل هذا المنصب حتى عام 1967، أي قبل عامين من وفاته في عام 1969. بالإضافة إلى رئاسته تلك، شغلَ التركي منصب نائب رئيس الصالون التونسيّ، وتولّى التدريس في المدرسة العليا للأساتذة في تونس. مكّنه ارتباطه بمدرسة تونس من المشاركة في معارض جماعيّة دوليّة كبرى، أُقيمت لتعزيز الفنّ التونسيّ والهويّة الوطنيّة. ومن أبرز مشاركاته بينالي البندقية التاسع والعشرون عام 1958، حيث عرض عملاً فنياً بعنوان "زفاف في جربة" (1955)، إلى جانب مشاركته في العديد من المعارض الدبلوماسية الثقافية في أواخر الخمسينيات والستينيات.
لعب التركي دوراً جوهريّاً في تأسيس هويّة فنيّة تونسيّة مميزة أثّرت على الأجيال اللّاحقة من الرسامين، ونجحَ في سدّ الفجوة بين التقاليد الفنيّة الاستعماريّة والتعبير الوطنيّ بعد الاستقلال. شملت مساهمة التركي في الفنّ التونسيّ أيضاً الإدارة المؤسّسية والتعليم الفني. وقد أرسى عمله الأسُس لما سيصبح من الممكن تميزه كلوحة تونسية، وهي اللوحة التي حافظت على التطوّر التقنيّ مع التأكيد على الأصالة الثقافيّة. بعد وفاة يحيى التركي عام 1969، تم تغيير اسم جاليري البلديّة للفنون، التي كانت تقع داخل مجمّع البالماريوم، إلى جاليري يحيى التركي. هُدم هذا المجمّع بعد الاستقلال. واليوم، لم يعد البالماريوم مركزاً ثقافياً، بل مجمعاً تجارياً، حيث ما زالت غاليري صغيرة في الطابق الرابع تحمل اسم يحيى التركي، شاهدةً على تأثيره الدائم على المشهد الفنيّ التونسي.