شنغهاي، 2016. كان بالإمكان أن يجري ذلك في مكان آخر من العالَم، لكن أياً منها لم يكن ليضمّ السجادة التي غطَّت أرضية أكبر قاعات الفندق الذي استضاف الفنانين والقيّمين المشارِكين في الدورة 11 من بينالي شنغهاي واضطلعت مجموعة رقص ميديا بمهمة تقييمها الفني.
تحوَّلت السجادة الخضراء إلى وجهة لمختلف الأشخاص في كل ليلة لتبادل الآراء، أو مناقشة الأفكار، أو الاحتفال بأعياد الميلاد، أو تلاوة القصائد، أو إنشاد أغنية هندية، أو روسية تقليدية، بحيث رسمت أشكال التفاعل هذه عوالِم تذهب إلى وراء الكلمات والأفكار والمشاعر التي يُستهلّ التواصل بها. ارتبطت النقاشات بأسئلة، والضرورات بحقائق، والمعاني بوقائع، واللحظات البسيطة بأحداث جسيمة. وبذلك، تحوَّلت هذه السجادة إلى جسر يربط بين عوالم لا نقاط مشتركة ظاهرية بينها، وإلى همزة تَصِلُ بين حَيَوات لا تتمتَّع بقواسم مشتركة كثيرة فيما بينها على ما يبدو.
1
تتمحور الأسطر التالية حول التعريف متعدِّد المعاني للسجادة، سواء بذاتها كعنصر أو بما تُمثِّله، أو كمساحة وكأرض، أو كشكل وتقنية، أو كإيماءة وكأداء. يمكن التعامل مع السجادة باعتبارها استعارة "نفهم" من خلالها الأعمال وأسلوب عرضها. ومن شأن ذلك أن يطرح تساؤلين؛ الأول أخلاقي، والثاني جمالي: كيف لنا أن نعرض هذه الأعمال؟ وما الذي يعنيه أصلاً مفهوم "العرض"؟ وللإجابة، يتعيَّن علينا أن نسبر أشكالاً مختلفة لطبيعة الأعمال الفنية، نظراً لكون المعرض ليس كياناً ثابتاً، بل هو شكلٌ متبدِّلٌ ومتحرِّك وغير مستقر، وكأنه سجادة تفرش أرض فندق. أرضية من الصور والشخوص، وفضاء لا يتوقِّف عن الانحسار وطرح تعريف جديد لنفسه.
وما الفنان إلا مبتكرٌ لفضاءات مستحيلة، ولأماكن لا يمكن تصوُّرها، ولأشكال مفتوحة ومتحرِّكة. والعمل الفني لا يتجذّر في مكان واحد أو أرض بعينها، فهو مرتبطٌ بـ "الهُنا" و"الهناك"، بل هو وليد "الهُنا" و"الهناك". وكالسجادة نفسها، يواجه العمل الفني التحوُّلات التي تفرضها التكنولوجيا عبر خلق صلات ناشئة جديدة مع العالَم الذي يفتح آفاقاً جغرافية ويخلق بنى زمنية جديدة. وذلك جانبٌ من نسيج كل أشكال الوجود تلك. ينطبق ذلك على المعرض، الذي يُقدِّم حكايات كل تلك الأشياء وكل تلك الحيوات، فيتحوَّل إلى فِعلٍ يهدف لفهم العالَم.
لكن فلنعد إلى السجادة. كل سجادة فريدة من نوعها حتى وإن حِيْكَت من نفس الأنسجة وباستخدام نفس الأسلوب والتقنيات. فالحياكة هي عملية اعتيادية ومباشرة، وفِعل مكثَّف ومعقّد في الوقت ذاته، إذ تقتضي ربط خيط بآخر، وَوَصْل جزء بآخر. ومن خلال هذا، تُحدِث الحياكة واقعاً جديداً يُكسي مكاناً، وتكون محصِّلته مساحة وسقف وموقع.








