تاريخ النشر: 2016، [تمت المراجعة في مايو 2026]
تدوينات عن الحياكة
شنغهاي، 2016. كان بالإمكان أن يجري ذلك في مكان آخر من العالَم، لكن أياً منها لم يكن ليضمّ السجادة التي غطَّت أرضية أكبر قاعات الفندق الذي استضاف الفنانين والقيّمين المشارِكين في الدورة 11 من بينالي شنغهاي واضطلعت مجموعة رقص ميديا بمهمة تقييمها الفني.
تحوَّلت السجادة الخضراء إلى وجهة لمختلف الأشخاص في كل ليلة لتبادل الآراء، أو مناقشة الأفكار، أو الاحتفال بأعياد الميلاد، أو تلاوة القصائد، أو إنشاد أغنية هندية، أو روسية تقليدية، بحيث رسمت أشكال التفاعل هذه عوالِم تذهب إلى وراء الكلمات والأفكار والمشاعر التي يُستهلّ التواصل بها. ارتبطت النقاشات بأسئلة، والضرورات بحقائق، والمعاني بوقائع، واللحظات البسيطة بأحداث جسيمة. وبذلك، تحوَّلت هذه السجادة إلى جسر يربط بين عوالم لا نقاط مشتركة ظاهرية بينها، وإلى همزة تَصِلُ بين حَيَوات لا تتمتَّع بقواسم مشتركة كثيرة فيما بينها على ما يبدو.
1
تتمحور الأسطر التالية حول التعريف متعدِّد المعاني للسجادة، سواء بذاتها كعنصر أو بما تُمثِّله، أو كمساحة وكأرض، أو كشكل وتقنية، أو كإيماءة وكأداء. يمكن التعامل مع السجادة باعتبارها استعارة "نفهم" من خلالها الأعمال وأسلوب عرضها. ومن شأن ذلك أن يطرح تساؤلين؛ الأول أخلاقي، والثاني جمالي: كيف لنا أن نعرض هذه الأعمال؟ وما الذي يعنيه أصلاً مفهوم "العرض"؟ وللإجابة، يتعيَّن علينا أن نسبر أشكالاً مختلفة لطبيعة الأعمال الفنية، نظراً لكون المعرض ليس كياناً ثابتاً، بل هو شكلٌ متبدِّلٌ ومتحرِّك وغير مستقر، وكأنه سجادة تفرش أرض فندق. أرضية من الصور والشخوص، وفضاء لا يتوقِّف عن الانحسار وطرح تعريف جديد لنفسه.
وما الفنان إلا مبتكرٌ لفضاءات مستحيلة، ولأماكن لا يمكن تصوُّرها، ولأشكال مفتوحة ومتحرِّكة. والعمل الفني لا يتجذّر في مكان واحد أو أرض بعينها، فهو مرتبطٌ بـ "الهُنا" و"الهناك"، بل هو وليد "الهُنا" و"الهناك". وكالسجادة نفسها، يواجه العمل الفني التحوُّلات التي تفرضها التكنولوجيا عبر خلق صلات ناشئة جديدة مع العالَم الذي يفتح آفاقاً جغرافية ويخلق بنى زمنية جديدة. وذلك جانبٌ من نسيج كل أشكال الوجود تلك. ينطبق ذلك على المعرض، الذي يُقدِّم حكايات كل تلك الأشياء وكل تلك الحيوات، فيتحوَّل إلى فِعلٍ يهدف لفهم العالَم.
لكن فلنعد إلى السجادة. كل سجادة فريدة من نوعها حتى وإن حِيْكَت من نفس الأنسجة وباستخدام نفس الأسلوب والتقنيات. فالحياكة هي عملية اعتيادية ومباشرة، وفِعل مكثَّف ومعقّد في الوقت ذاته، إذ تقتضي ربط خيط بآخر، وَوَصْل جزء بآخر. ومن خلال هذا، تُحدِث الحياكة واقعاً جديداً يُكسي مكاناً، وتكون محصِّلته مساحة وسقف وموقع.

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)
أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

العمل التركيبي الضوئي الذي عرض على برج الدوحة من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)
أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة
2
إلا أن السجادة ليست شيئاً ثابتاً أو جامداً، بل حصيلة توليفة من إضافات متتالية، ومساحة انتقالية بين الجسد والبيئة المحيطة به. وهي كذلك، إيماءة وموقف قائم بذاته. والحياكة لا تجلب معها أي خاتمة، بل هي حالة من الاتحاد من دون حدود، ومفتوحة دوماً، وهي ليست مجرَّد فعل، بل فضاءٌ نخلقه، ونعيد تشكيله ونفككه. قليلة هي التجارب المشابِهة، ففي ملحمة هوميروس "الأوديسة"، تُحيك بينيلوبي كفناً ومن ثم تفكُّه، فتبني وتهدم. وهي بذلك تُظهر الفعل نفسه: فتحيك لتشغل الوقت بالعمل، ومن ثم تفكك ما تقوم به لتسترجع الوقت والعمل. ومن تلك الثنائية، مرة تلو أخرى، تؤكِّد أهمية الحركة المزدوجة، الحياكة والتفكيك، التركيب والتحلُّل، قبل أن يندمج كل نشاط مع ما يليه. فالحياكة والفك، والفعل وإلغاؤه، يجعلان الأسطح والإطارات تختفي قبل شدِّها من جديد. ومن شأن ذلك أن يستعيد كل خيط إلى نقطة انطلاقه، ومع ذلك، وللسبب نفسه، يستمرّ بطرح الأسئلة على كل خيط وكل إيماءة وكل إطار.
يوجد في قلب كل سجادة عالَم أو عوالِم عديدة في علاقة حميمة يجب أن تحكم كذلك صلتنا بالفن وبالكتابات عن المعارض. فالنموذج المثالي للنسّاج يكمن في التنوُّع. وخلق الشكل من جديد باستخدام المفردات نفسها هو الفعل نفسه، ولكنه يأخذ في كل مرة شكلاً جديداً. يتعلَّق الأمر بالمهارة وبالمعارِف المكتَسبة وبالسعي المستمر لتقديم فهم جديد لنفس الخامات.
يكتنز النسَّاجون المعارِف المتوارَثة على مدى آلاف السنوات، بحيث أن كل إيماءة وكل فِعل ما هو إلا انعكاس للمعارف التي توصَّل إليها أسلافنا وما أدخلوا عليها من تغييرات. يكمن في قلب كل إيماءة حالية كافة الأجيال السابقة. وكل إيماءة من النسّاج تكسي فضاءً بحيوات بشرية جديدة، وهو ما يخلقه كل خيط وكل عقدة. يحيك النسّاجون حكايات ويقدِّمون سرديات جديدة، ورغم ذلك، قد يواجهون التشكيك في أي وقت، وربما يتوجَّب عليهم التعامل مع قراءات مختلفة أو خامات جديدة، وهو ما يجعل الحياكة بمثابة فِعْل ابتكار مستمر.
لكن ما يُقدّموه من إبداع لا يكتسي معنى إلا في سياق الأشكال التي ابتُكرَت في الماضي، فجذوره هي امتداد لسلسلة ابتكارات صُقلت في مختلف مناطق العالَم على مدى القرون المتتالية وطرأت عليها تعديلات أو شهدت إضافات متراكمة لتندَثِر أو تُحفَظ لاحقاً مع كل نسخة جديدة. تُعيد الأشكال ابتكار نفسِها، ومن ثم تختفي، إذ إنها لا تنتمي إلى حقبة زمنية بعينها، فالحياكة هي حصيلة معارِف وثقافات أسلافنا، وثمرة ما يُقدِّمه كل نسَّاج وفنان وقيِّم وشخص من مساهَمة في هذه العوالِم السابقة. وبالتالي فإن قراءتنا هي ثمرة انخراط كلِّ من ترك بصمته في هذه المنظومة. وعندما نستهلِّ فِعل الكتابة، تأتي حركتنا متَّسقة مع مَن سبقونا، إذ يكمن الإبداع في الاحتكاك بين أساليب الأسلاف ونهج المعاصَرة، من دون أن يستكين لمكان أو زمان بعينه.

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)
أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة
3
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن ملكية السجادة هي لمَن ينسجها بقدر ما هي لمن يحتفظ بها، أي أنها تحتلّ مكانة بين النسَّاج والمتلَقّي، ويمكن فهمها بحسب سياق حياكتها أو كجزء من الحياة اليومية، فقد حاكها إنسان بهدف أن يمتلكها آخرون، أي أنها حصيلة حركة جسد لجسد آخر. وتَتَردَّد في تنقُّل ملكية ومكانة السجادة كافة أصداء وجودنا، فهي تنتمي إلى العقل والجسد والبيئة والعالَم. وكل سجادة تنطوي على تفاعل بين ذواتنا والعالَم، وبين ذواتنا والأشياء، وتطرح رؤية درامية عن مكانتنا في هذا العالَم.
يرسم النسّاج معالِم الأرض ويسرد حكايتها، ويمنحها شكلاً يتعرَّف عليه الآخرون. إلا أن هذا الشكل المصقول والجديد سيكون بمثابة مواجهة مادية مع أجساد أخرى وبيئات مختلفة، ولا بدّ من فكّ رموز مكوّناته. فالسجادة هي بمثابة فضاء للاتحاد والاختلاف، إذ تفصلنا عن مكان أو أرض، وتربطنا به في الوقت نفسه، وبذلك تكمن فيها روح الانقسام والاندماج. ويمكن التعبير بالكلام عن حالة الأخذ والرد هذه بين الخاص والعام، وبين الفرد والكون. وانطلاقاً من هذا الواقع المعقَّد، بوسعنا أن نسبر الجوانب المستترة، سواء كانت سياسية أم جغرافية أم تاريخية.
تُمثِّل السجادة حاضرنا، رغم أنها منتَج يأتينا من الماضي، وخضع لتحوُّلات وإعادة ابتكار بفضل إضافات جديدة ومستقبلية وأخرى ممكنة قد تَنتُج عن انقطاع الخيوط، أو احتكاك غير متوقع بمواد على سطحها أو تحتها.
وانطلاقاً من هذا النموذج، ومن هذا المفهوم الفريد، ومن هذه الفتحات والطيّات، من المهم فهم وإدراك أشكال المقاوَمة التي يبدو وكأنها تحصر في بعض الأحيان الممارَسات الفنية بأنماط من الانعزالية الثقافية أو الأسئلة السياسية المتعلقة بالقرن العشرين. وحتى عندما تكون هذه القضايا هي صلب الانقسامات أو حالات الاستقطاب في القرن الحادي والعشرين، فإن هذه الأسئلة ليست وليدة عصرنا الحالي، بل هي حصيلة لشبكة مذهلة ومجزّأة، وتتابُع من إيماءات أو حركات تتناوَب بين التقعُّر والتحدُّب، بين الطرد والجذب، بين التداني والتباعُد، وبين الترابط والتفكُّك. وسواء كانت الممارَسات الفنية تلك شاعِرية أو عضوية أو هندسية، فإنها تَتَتَبَّع نَهْجَ كائن يستمر في التحوُّل بحسب قواعِد الانعكاسات والخطوط، ووفق الطبقات والتحوُّلات، وتبعاً للطيّات وعوامل الاحتكاك.

مجموعة رقص ميديا، "مؤن للجميع"، 2018. لقطة ثابتة من فيديو عالي الدقة، 50 دقيقة.

مجموعة رقص ميديا، "36 وجهاً من المشاعر"، 2011. بلاستيك بيرسبيكس مع طلاء أكريليك ونص محفور على طاولة خشبية، أبعاد مختلفة. صورة للعمل من معرض "لغة الغسق"، 30، وايتوورث، جامعة مانشستر، 2017
4
جوهر تنسيق المعارض هو فهم كيفية الربط وإدراك نهج الحياكة، وهو تعلُّم كيفية قراءة وتمييز المواد والخامات التي تحمل بين ثناياها كل كلمات ومغامرات أسلافنا، بحيث نقوم بما قاموا به، أي أن نرسم أُطراً وتوليفات جديدة. يُتيح لنا العرض سبر مختلف أنماط استهلاك العالَم، والإنصات لأشكال الوجود، إذ لا يمكن الفصل بين الفن والحياة، فالفن ليس مجرّد تعبير عن الذات، بل هو سردٌ عن عالَم بأسره. والكتابة والحياة هما نتيجتان لفن الكتابة هذا، والذي يتحوُّل الفن فيه إلى أحد جوانب الوجود المعاصِر، جانب نعيشه في اللحظة الراهنة.
ولهذا تسودُ استمرارية بين الحياة وأسلافنا والمستقبل، استمراريةٌ علينا أن نتذكَّر دوماً أنها ليست خطية ولا تنقل الماضي إلى الحاضر، أو الحاضر إلى المستقبل بكل بساطة، بل استمراريةٌ تَتعقَّب الزمن وتخلق تقلُّباته. ولكي يعيش المرء في خضمّ زمانه، يتوجَّب عليه الأخذ بعين الاعتبار فكرة الوجود، وإن لبرهة سريعة، وكأنه شخص آخر يعيش هنا أو في مكان آخر. ومن شأن قَدَر الفنان أن يُمكِّنه من الاندماج في كافة الحَيَوات، والتعامل مع تبعات قراءة أشكال الوجود في دواخله.
وعلى نفس الشاكلة، لا يختفي السُّجَاد، بل يتحوَّل، وهو ليس حصيلة جَمال مندَثر، وليس منفصلاً عن الحياة، بل هو جزء منها، وهو العالَم بذاته. ومن الآن فصاعداً، لا يمكن إجراء مغامرة بشكل واحد من دون مواجهة كافة الأشكال الأخرى. تجتمع الأنماط عند خلق حواس ومعالِم جغرافية وسرديات زمنية جديدة. كما يسود تراكُب وتداخل بين عوالِم وأرضيات وأزمنة عديدة.

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)
أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة
ليس بوسعنا أن نعيش وجوداً منعزلاً. وما أشار إليه إدوار غليسان من توسُّع النطاق يُشرِّع أبواب القصة من كافة الجوانب، ويخلق منظومات مرجعية جديدة: "الكريولة هي وسيلة للتغيُّر المستمر مِن دون الشعور بالضياع، وهي فضاءٌ يتحوَّل فيه التشتّت إلى إمكانية للتجمُّع، ومساحةٌ تستحيل فيها الصدمات الثقافية وحالة عدم الانسجام والفوضى والتداخل إلى مُحفِّزات إبداعية. إنها عملية خلق ثقافة منفتحة ومتشابكة جداً تهزُّ دعامات المعايير السائدة لدى وسائل الإعلام الكبرى ومراكز الفن".
يتوجَّب علينا إدراك أن حاضرنا لم يعد وليد ما تشهده شوارع موسكو والدار البيضاء ودلهي ونيويورك، ويتعيَّن على المرء اكتساب مهارة الحياكة حتى يتمكَّن من التفاعل مع الحياة. لم يعد هناك بعد الآن عنصرٌ جوهريٌ يصنع الهوية، التي لم يعد يمكن التعبير عنها بشكل كامل لفظياً، بل تتوجَّب تجربتها بدلاً من ذلك. ومن الضروري كذلك قياس مستوى عدم استقرار الهوية، ومدى سهولة اختراقها، ونطاق قدرتها على التلاعب بالحدود غير الواضحة بين العالَمين السياسي والفردي. لا يمكن حصر الهوية في الحدود ضيِّقة الأفق لجذورها وأصولها. وبحسب هذا النهج الخرائطي الفني، فإنه من المهم للغاية مناقشة الإحالات الثقافية التي ينطوي عليها العمل، وتحليل وفهم آلية عملها وطريقة تجاوزها. وفي الواقع، فإن أي إنتاج يعكس بتنوّعه حيوية إبداعية مُستندة إلى توليفة فريدة من الزمان والمكان، لا بداية لها، ولا تسلسلاً ولا نهاية. ولا يمكن للمرء أن يفهم العمل من دون سبرٍ كامل النطاق للنسيج المُحاك.

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)
أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

مجموعة رقص ميديا، "حميميةُ البصمات غير المحكية"، 2011. لقطة ثابتة من فيديو تحريك رقمي، 47 ثانية.
5
ألم يتعامل ميشيل فوكو مع السجاد باعتباره سطحاً متحرِّكاً "حدائق متحرِّكة عبر الفضاء"؟ وبالنسبة إلى إيمانويل كوتشيا، فإن التفكير بالنباتات ما هو إلا محاولة للتفكير بالذات في العالَم وسط كل ما يُحيط بنا: "لن نفهم العالَم بمجرَّد ربط ظواهر تتَّسِم بنفس الطبيعة أو الشكل (الظواهر الفيزيائية والحقائق الاجتماعية)، فالعالَم ليس فضاءً يُشكِّله ترتيب الأسباب، بل تُحدده توليفة من التأثيرات ورصد الأجواء السائدة". وكل معرفة سَبَق وتسلَّلت، وتتسلّل حالياً، في قلب كافة المعارِف الأخرى. والعالَم هو بالتالي خليط: "كل كائن دنيوي موجود في العالَم بنفس كثافة وجود العالَم داخله".
يطرح هذا المزيج من العوالِم رؤية مفادها أن الثقافات لم تعد معزولة، إذ يُضاف إليها ما هو موجود خارج النبتة، ومن دون أن يقتصر على عالَم النباتات، بل يشمل كافة الممالِك الطبيعية الأخرى (كالأحجار والماء والهواء والضوء). يتعلَّق هذا بعالَم من "عدم الانفصال"، ومن التعايش، بل وربما الترابط. وها نحن نعيش في ظلّ نظام لا يقتصر على الأرض أو الكون، بل على كليهما معاً. وهذه الكيانات (الأرض والسماء، أو الكون) ترسم بلا تمييز معالِم علاقتنا مع العالَم بشكل متزامن. ومن هذا المنظور، يتوجَّب علينا أن نُعيد اكتشاف عالَمنا، وأن نستوطن في اللحظة الراهنة عبر مسار الوجود.
ترسيخ الجذور بالحاضر هو أمر جوهري في سبيل ما يقوم به الفنان والقيِّم الفني، فكلاهما يتعاملان مع كافة فصول الزمن باعتبارها تنتمي إلى اللحظة الراهنة. فحضور الزمن مقتصرٌ على الحاضر، إلا أن "الحاضر" ليس مجرَّد عقدة تتلاقى فيها خيوط الزمن، بل هو مساحة تجتمع فيها الأشياء. إنه بوتقة الزمن المتحرِّكة والمتحوِّلة لإظهار حالة عدم استقرارها. يجتهد الفنانون لتجميع الأشكال وتركيبها جنباً إلى جنب، حتى أنهم يجمعون أرشيفات ومعلومات وبيانات. والقيِّم الفنان ليس مجرَّد فنان يضطلع بعملية الاختيار وتقديم الأعمال، بحيث يتحوَّل العرض إلى شكل فنيّ قائم بذاته، يرسم معالِم العمل الفني، يصبح حِرَفياً يجمع مختلف الأجزاء لخلق واقع جديد متماسك. يتمثَّل الشكل التقليدي للتقييم الفني بالكشف عن الأعمال، لكن التقييم الفني – حاله كحال حياكة السجاد – يتمحور حول تشكيل مساحة تنبض بالحياة، مساحة تُتيح لنا عملاً لكي نتأمله. مساحة تَكشُف عن فصول العالَم عبر النظر. وبذلك، يُحيك القيّم الفني اهتمامات وردود فعل وممارَسات فنية مختلفة، أما السجادة فهي تُحاكي عُقداً وتوليفات في وعينا الفني..
تُقاوِم هذه الخواطر مفهوم الانفصال، وتجعل من السجادة مكاناً للتشارُك والحياة والفكر النقدي، كما كان عليه الأمر في التجربة التي خضتُها في شنغهاي مع مجموعة رقص ميديا. لم يعد يتعلَّق الأمر بالتعامل مع الفن، بل بالعمل على حيِّزٍ مع الفن، حيِّزٌ يؤثِّر فيه الفن علينا بدوره. تُراقبنا السجادة بينما تستقي صميمها من الفن، والطبيعة، والسياسة، والحياة. فنحن إذ نُمهِّد طريقنا بفضل أولئك الذين سبقونا، نتطلَّع قُدماً ونلحظ اقتراب أجيال أخرى.
وليست هذه الأرضية أو المساحة كياناً ثابتاً أو جامداً، إنها توليفة مستمرة التبلوُر، مع إضافات وتعقيبات، توليفةٌ تجمع بين ثنايا مقارَبات أخرى لم يسمح لنا الوقت بالتطرُّق إليها، ولا سيما تلك المتعلقة بالنزوح، والحركة، والحِلّ، والترحال. فالسجادة هي كينونة متنقِّلة وثورية، وتُجسِّد حقيقة تراكمية. إلا أن هذا موضوعٌ مختلفٌ لزمن آخر وحياكة جديدة.
اقرأ المزيد
صليبا الدويهي: سيرة ذاتية وآراء فنية
يستعيد بدر الحاج، الشريك المؤسس لمتحف نابو في لبنان، حواراته مع الفنان اللبناني الراحل والاستثنائي صليبا الدويهي في هذا السرد
منى حاطوم: اضطراب
اكتشف كيف تتناول منى حاطوم مفهوم الاضطراب بوصفه مجازاً وتجربة في أعمالها الفنية.
سالم الدباغ: بلاغة الصمت
استكشف حياة وأعمال وإلهامات الفنان العراقي البارز سالم الدبّاغ من خلال هذا المقال الذي كتبته الشاعرة والكاتبة مي مظفّر.
