1.
هناك عند التخوم القصوى للمكان بعد أن يتلاشى آخر ظلٍ لعثّة خافِقة، يرقد كرسي فارغ مقابِل شاشة وكأنه يتوجَّه بالتحية لآخر زائر. أما على الشاشة، فنلحَظ عالَماً ساكناً قبالة أفق شاسع يبدو لا متناهياً بانتظار كلِّ من يجلس على الكرسي. يتراءى لنا شخص على أرضية ملحية لا معالِم لها وكأنها كوكب آخر، يسير متقدماً تارة ومتراجعاً تارة أخرى، مقترباً من الأفق والزائر أو مبتعداً عنهما، بحيث يُحاكي جُزيئاً كيميائياً يخضع لتجربة في فيزياء الكمّ، وكأنه يسرد مجموعة من الحقائق المختلفة والمتزامنة عن موقعه وسرعته. وفوق هذا المشهد الماورائي الدرامي المُصغَّر والمتنقِّل، يتكاثر القمر في سماء الصحراء، ويلتهم أقماره الشاحبة ثم يُحرِّرها، وكأنه يقول إنه بغض النظر عن مكان وجود المرء، هناك دوماً عوالِم أخرى يُحاول أن يبحث عنها حتى القمر.
تبقى عوالِم أخرى"1
يَلتفُّ الكوكب حول محورِه من دون أن يأذن له أحد بحيث تتحوّل كل دورة إلى انتفاضة في وجه الجاذبية وإلى تمرُّد ضدّ الموت البارد للنجوم. يجب التغلُّب مجدداً على حتمية تلاشي الشكل الحراري للطاقة في كل مرة تولد حياة. فالحياة بحدّ ذاتها، أينما كانت وفي كافة الأزمان، ما هي إلا مؤشّر على مقدار الطاقة المطلوبة لتجاوز بداية حالة القصور الحراري. فلا شيء يمكن له فرض استمرارية الحياة إلا رفضها الذاتي لأن تكون مجرَّد مادة خاملة، بغض النظر عن القدر الحتمي الذي ينتظرها من عدمه. وتلك المقارَبة تتطّلب طاقة، طاقة للاستمرار وللقدرة الفائقة على التماسك والتنظيم في وجه الفوضى الكونية المحيطة بها. أليس جوهر وجود الفن والشِّعر واللغة والشُّحنة الكهربائية الكامنة في أي سؤال عادي أو استثنائي ما هو إلا وقود لكل من تحملهم كواكب ثورية، ويتحرَّكون في دوامات فراغ الزمان والمكان؟
نقول في فيلم "مؤن للجميع"2: "يتكثّف النفط مع مرور الزمن. يتطلّب الأمر مليوني سنة لتتحوّل الشجرة إلى وقود أحفوري بانتظار اشتعال كومة فحم، لتصبح رماداً في غضون دقائق. ارتفع متوسط إنتاجية عامل المناجم البريطاني في ثلاثينيات القرن العشرين إلى 300 طن في السنة وهو ما يولِّد كمية طاقة تبلغ 6600 غيغاجول تكفي لتشغيل إمبراطورية، وهي كمية الطاقة التي يحتاجها معدل الاستقلاب لإجمالي 750 ألف شخص. إنها كمية الحُريرات التي يُوفّرها عامِل منجم في منطقة واحدة من العالَم لكي تُحرق.
يمكن سرد قصة العالَم أيضاً باعتبارها قرباناً للفحم. سُكَّر. نفط. صبغة النيلة. أفيون. شاي. قهوة. حبوب. لحم".
"ما هو إجمالي كمية الوقود التي تُستهلك حتى تنتقل شحنة من ميناء لآخر؟"
كم استغرق تَشكُّل ذلك الوقود في مخزن رواسب الهيدروكربونات أو حقل غاز طبيعي قبالة ساحل قطر؟ وكم من الزمن تطلَّب حرقه؟ وبأي سرعة؟ وبالنظر إلى السرعة التي يتم بها حرق كتلة من الفحم أو لتر من الغاز من الطبيعي – تطلَّب تشكيلها ملايين السنين – كيف بوسعنا توفير مؤن منها للجميع؟
وبالنظر إلى أننا أطلقنا على أنفسنا مصطلح "رقص" المأخوذ من اللغة العربية وما يحمله من دلالات متعلقة بالدوران والحركة والتمايل، فإننا نسبر الرؤى المتعلقة بهذه التحوّلات الحركية وبغيرها. تتشكَّل البلورات ويرفرف العث وتندلع الثورات وتتجمّع الحشود، ويخفّ عبء اليوم، ويختمر الغد.
نتأمَّل ما حولنا ونلحظ مقولة بوذا "كل شيء يحترق"3. فمن الممكن أن نتأمل كل شيء يحترق بموجب السعرات الحرارية والثواني، بما في ذلك عوالِم بأسرها.
عوالِم بأسرها في حالة من الحركة.







