مستقبلٌ يختمر الحاضر

بقلم شودابراتا سينغوبتا

تاريخ النشر: 8 أكتوبر 2019

المشاركة مع صديق

تمت المراجعة في مايو 2026

1.
هناك عند التخوم القصوى للمكان بعد أن يتلاشى آخر ظلٍ لعثّة خافِقة، يرقد كرسي فارغ مقابِل شاشة وكأنه يتوجَّه بالتحية لآخر زائر. أما على الشاشة، فنلحَظ عالَماً ساكناً قبالة أفق شاسع يبدو لا متناهياً بانتظار كلِّ من يجلس على الكرسي. يتراءى لنا شخص على أرضية ملحية لا معالِم لها وكأنها كوكب آخر، يسير متقدماً تارة ومتراجعاً تارة أخرى، مقترباً من الأفق والزائر أو مبتعداً عنهما، بحيث يُحاكي جُزيئاً كيميائياً يخضع لتجربة في فيزياء الكمّ، وكأنه يسرد مجموعة من الحقائق المختلفة والمتزامنة عن موقعه وسرعته. وفوق هذا المشهد الماورائي الدرامي المُصغَّر والمتنقِّل، يتكاثر القمر في سماء الصحراء، ويلتهم أقماره الشاحبة ثم يُحرِّرها، وكأنه يقول إنه بغض النظر عن مكان وجود المرء، هناك دوماً عوالِم أخرى يُحاول أن يبحث عنها حتى القمر.


تبقى عوالِم أخرى"1

يَلتفُّ الكوكب حول محورِه من دون أن يأذن له أحد بحيث تتحوّل كل دورة إلى انتفاضة في وجه الجاذبية وإلى تمرُّد ضدّ الموت البارد للنجوم. يجب التغلُّب مجدداً على حتمية تلاشي الشكل الحراري للطاقة في كل مرة تولد حياة. فالحياة بحدّ ذاتها، أينما كانت وفي كافة الأزمان، ما هي إلا مؤشّر على مقدار الطاقة المطلوبة لتجاوز بداية حالة القصور الحراري. فلا شيء يمكن له فرض استمرارية الحياة إلا رفضها الذاتي لأن تكون مجرَّد مادة خاملة، بغض النظر عن القدر الحتمي الذي ينتظرها من عدمه. وتلك المقارَبة تتطّلب طاقة، طاقة للاستمرار وللقدرة الفائقة على التماسك والتنظيم في وجه الفوضى الكونية المحيطة بها. أليس جوهر وجود الفن والشِّعر واللغة والشُّحنة الكهربائية الكامنة في أي سؤال عادي أو استثنائي ما هو إلا وقود لكل من تحملهم كواكب ثورية، ويتحرَّكون في دوامات فراغ الزمان والمكان؟

نقول في فيلم "مؤن للجميع"2: "يتكثّف النفط مع مرور الزمن. يتطلّب الأمر مليوني سنة لتتحوّل الشجرة إلى وقود أحفوري بانتظار اشتعال كومة فحم، لتصبح رماداً في غضون دقائق. ارتفع متوسط إنتاجية عامل المناجم البريطاني في ثلاثينيات القرن العشرين إلى 300 طن في السنة وهو ما يولِّد كمية طاقة تبلغ 6600 غيغاجول تكفي لتشغيل إمبراطورية، وهي كمية الطاقة التي يحتاجها معدل الاستقلاب لإجمالي 750 ألف شخص. إنها كمية الحُريرات التي يُوفّرها عامِل منجم في منطقة واحدة من العالَم لكي تُحرق.

يمكن سرد قصة العالَم أيضاً باعتبارها قرباناً للفحم. سُكَّر. نفط. صبغة النيلة. أفيون. شاي. قهوة. حبوب. لحم".

"ما هو إجمالي كمية الوقود التي تُستهلك حتى تنتقل شحنة من ميناء لآخر؟"

كم استغرق تَشكُّل ذلك الوقود في مخزن رواسب الهيدروكربونات أو حقل غاز طبيعي قبالة ساحل قطر؟ وكم من الزمن تطلَّب حرقه؟ وبأي سرعة؟ وبالنظر إلى السرعة التي يتم بها حرق كتلة من الفحم أو لتر من الغاز من الطبيعي – تطلَّب تشكيلها ملايين السنين – كيف بوسعنا توفير مؤن منها للجميع؟

وبالنظر إلى أننا أطلقنا على أنفسنا مصطلح "رقص" المأخوذ من اللغة العربية وما يحمله من دلالات متعلقة بالدوران والحركة والتمايل، فإننا نسبر الرؤى المتعلقة بهذه التحوّلات الحركية وبغيرها. تتشكَّل البلورات ويرفرف العث وتندلع الثورات وتتجمّع الحشود، ويخفّ عبء اليوم، ويختمر الغد.

نتأمَّل ما حولنا ونلحظ مقولة بوذا "كل شيء يحترق"3. فمن الممكن أن نتأمل كل شيء يحترق بموجب السعرات الحرارية والثواني، بما في ذلك عوالِم بأسرها.

عوالِم بأسرها في حالة من الحركة.

TBC

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)

أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

TBC

مجموعة رقص ميديا، "36 وجهاً من المشاعر"، 2011. بلاستيك بيرسبيكس مع طلاء أكريليك ونص محفور على طاولة خشبية، أبعاد مختلفة. صورة للعمل من معرض "لغة الغسق"، 30، وايتوورث، جامعة مانشستر، 2017

2.
كما في كل مكان آخر، تتداخل هنا الأزمنة الجيولوجية والبيولوجية والصناعية. السيروسيت هو أحد المعادن،"4 ويتطلَّب تشكُّله دهوراً مديدة. أما عثّة الفلفل "5، فقد تغير لونها مرتين بفعل الاصطفاء الطبيعي خلال فترة لم تتجاوز 150 عاماً من التصنيع، تلتها حقبة تراجع التصنيع.

عندما غطّى هُباب الفحم (السناج) جدران مانشستر، أخذ عث الفلفل ذو اللون الداكن يتفوَّق عددياً على ذلك ذي اللون الأقل قتامة، نظراً لقدرة الأول على التخفي فوق جدران المباني التي اسودَّت، وبالتالي أصبحت أكثر قدرة على التستُّر من مفترسيها. ويعتبر ذلك أحد أشكال الاصطفاء الطبيعي الملموسة التي شهدها التاريخ.

استمرّ هذا الاصطفاء حتى بعد تراجع حقبة التصنيع، فأغلقت المعامل أبوابها وتلاشى هُباب الفحم، وبالتالي أصبح اللون الداكن لعثّة الفلفل مصدر خطر عليها عندما تتواجد فوق الجدران فاتحة اللون. وبالتالي أصبحت فرصة النجاة للعثة فاتحة اللون أكبر، وبفضل الاصطفاء الطبيعي مجدداً، ساد صنف هذه الأخيرة. وفي عمل المجموعة الذي يحمل عنوان "على قيد الحياة: معدن السيروسيت وعثّة الفلفل"6 (2018)، يتحوَّل المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد للحشرة إلى تجسيد زمني لتطور حشرة يُومض ظلّها على هيكل بلّوري هائل الحجم، وهو ما يُبرز التقاطع بين عالمي الصناعة والأحياء عبر الهياكل الدفينة للخامات المعدنية وعالَم الجيولوجيا.

ما الذي يحدث عندما نُركِّز تفكيرنا نحو نطاقات زمنية مختلفة؟

قبل زهاء خمسة آلاف سنة، انتقلت مشغولات فخارية وقطع من أختام وسِنّ واحد – وبالتحديد ضرس – تعود كلها إلى رجل بالغ من وادي السند المتوزّع حالياً بين الهند وباكستان، لينتهي بها المطاف في موقع دفن في منطقة الرويدة، قُرب الرويس، في الساحل الشمالي لدولة قطر، أي تبعد عن متحف: المتحف العربي للفن المعاصر في المدينة التعليمية بالعاصمة الدوحة حوالي 120 كيلومتراً. أي أن أسلافاً قدامى محتملين لنا من جنوب آسيا تواجدوا قبلنا هنا في شبه الجزيرة المطلَّة على الخليج الفارسي. ولو لم يُكتشف موقع الدفن هذا، لظلَّت آثارهم مدفونة لفترة طويلة بعد رحيلنا عنها.

عثر على هذه اللُّقى عالم الآثار القطري الهاوي محمد علي السليطي،"7 وذلك خلال أبحاثه عن الصلات التي ربطت بين قطر والعالم الواسع في قديم الأزمان، مستلهِماً ذلك من رائدة عِلم الآثار بياتريس دي كاردي،"8 أول مديرة لمتحف قطر الوطني.

لكن لمن تعود الرُّفات التي عُثر عليها في الرويدة، أو بالأحرى، من هو هذا الشخص؟ هل كان بحّاراً أم تاجراً أم قاصَّاً أم مترجماً أم خزّافاً أم فناناً أم حاجّاً أم كاهناً أم جندياً، أكان شخصاً كسر فكَّه أو لوى إحدى قدميه أو تعرَّض لإصابة في العمود الفقري؟ وعند وصوله إلى هذه الأرض، كم شخصاً عانق حتى تحوَّل من شخص غريب إلى صديق؟ وهل توجَّه إليه أحد ما بالسؤال: "هل ستشهد ’شهيد‘ أيها الغريب المحبوب/قدران تصالحا في النهاية بفضل المنفى؟"9

عندما أبحر ذلك الشخص المجهول والغامض، ولكن العادي تماماً، مع رفاقه من أحد الموانئ الذي ربما كان قرب مصب نهر السند في السند أو بلوشستان، أو في منطقة ران كوتش،"10 لربما لاحظ أفقاً آخذاً في الاتساع. وكان يكتشف مع كل ليلة إبحار نجوماً لا تَبْرَح في مكانها وأخرى تتحرك، لأن الكوكب يلتفّ حول محوره من دون إذن،"11 ولاحَظ الرياح التي تُبدِّل اتجاهها فجأة، وتَعرَّف على تيارات الماء الغريبة وأنماط أمواجها التي حملت حياة بحرية متبدّلة، وهو ما يوحي بأن هناك دائماً عوالِم أخرى.

مع تعاقب الفصول، يتحوَّل البحر إلى ملح ثم إلى بحر مجدداً، وتستمرّ الرحلات البحرية، واتّساع العالَم نحو آفاق أكثر رحابة، وتتوالى دورات اللانهاية.

لربما كان ذلك البحار القادِم إلينا من زمن غابر ناطقاً بلغة قديمة درافيدية بدائية، تلاشت في مسقط رأسه، لكنها ما تزال حية في جوهر لغة مالايالام التي نسمعها في شوارع قطر،"12 والتي استُخدمت في متحف: المتحف العربي للفن الحديث لشرح أعمالنا، إلى جانب اللغتين الإنجليزية والعربية.

قام الناس بمثل هذه الرحلة على مدى آلاف السنوات، تماماً كذلك الشخص الذي يعود إليه الضرس، وكما كان عليه الأمر بالنسبة لنا أيضاً، إذ حملنا السجاد والصور والقصص، وأخذنا بعضها إلى ديارنا. يحكي سندباد البحار قصة رحلاته السبع لحمّال في شوارع بغداد اسمه هندباد."13 انتشرت حول العالَم القصص التي لم يكفّ سندباد عن سردها، وكأنها تطير على سجادة سحرية. فهنا حكاية عن محطة لنابليون خلال عبوره، وهناك مغامرة ذبابة فلسفية حلّت معادلة ديكارتية. تمتد الصحراء والبحر أمامنا، وتصبح السماء فوقنا وكأنها نظام تحديد المواقع العالمي. أما قلب شهرزاد النابض فهو بوصلة، أو إسطرلاب، أو لربما مجرد ساعة تحدد الوقت في مختلف حكايات ألف ليلة وليلة.

تولِّد القصص قصصاً أخرى. إذ وثَّق كتاب عن الملاحة يعود إلى القرن الخامس عشر الدروس التي اكتسبها البحارة عبر الأجيال على شكل قصائد غامضة. إنها أرجوزة "السفالية" للملاح العربي أحمد بن ماجد."14 ويبدو أن الكتاب كان على متن السفينة التي توجّه بها فاسكو دا غاما إلى الهند. وربما ما تزال نصوص الكتاب مستخدَمة، على الأقل في تقاليد النخوذة، أو قباطنة السفن الذين أبحروا من مياه الخليج الفارسي نحو سواحل الهند وإفريقيا، ليكتشفوا أثناء إبحارهم عوالِم أخرى.

إليكم طريقة ابن ماجد لتحديد الاتجاهات السماوية في عرض البحر باستخدام النجوم:

"المسافات بين النقطتين الساطعتين في مثلث الصيف، بين [نجمي] ’النَّسْر الواقع‘ و’النَّسْر الطائر‘، مرتبطة بالعلاقة الوثيقة بين حركة إحداهما والأخرى. فكلما تحرك أحدهما مسافة إصبع واحد (وحدة قياس المسافة)، يتحرك الآخر مسافة مماثلة تقريباً". وتوصَف هذه العلاقة بمصطلح "قياس المعلَّق"، كما توضّحه الأبيات الشِّعرية التالية:

سريتُ ليلاً أراقب وأرنو / إلى من "أَسَرَ" عيني وقلبي
وقِسْتُ دربي عبر طريقة / تُعرَف بالمُعلَّق عند نهاية الشهر
اهتديتُ بها لدقّتها / كوضوح الأبيض على خلفية سوداء
وفي النَّسر يبدأ احمرار عيني / وفي الطير يخفق قلبي

لكن ما الذي يحدث عندما يتوقّف القلب عن الخفقان لبرهة؟ يُحدث الدم جلبة، ويرتفع الكرسي الخطأ عن الأرض بكل بساطة. نتساءل عندما تُشرِّع قوى السوق أبوابها على مصراعيها: لماذا الآن؟"15 تتحرَّك النجوم في قبة السماء، ويعبر الناس المحيطات، ويدور العالَم حول محوره، وتتحوَّل وحدات البكسل إلى أشخاص، ويستحيل الأشخاص إلى وحدات بكسل.

مع انتشار الثقافات الرقمية، أصبح ملايين الأشخاص على تواصل مع بعضهم بشكل فوري، ولا يرون بعضهم بالضرورة، ولكنهم يعملون ويتفاعلون ويؤثرون ويتأثرون ببعضهم بعضاً، وكأنهم في قلب عوالِم رقمية متداخلة. وهؤلاء الأشخاص الجدد هم رموز الحداثة المجرَّدة، ورفاقنا في حياتنا اليومية، تُجسِّدهم وحدات بكسل.

TBC

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)

أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

خلال إعداد عملنا الذي حمل عنوان "إلى الناس"، ملأنا خامتنا الرقمية بهم، أو بالأحرى بتجسيد للحشود عبر وحدات بكسل، في استحضار للحشود التي بدأت تظهر في ساحات المدن لتُغير عوالِمها وأزمنتها. حشود تملأ الفضاءات، وتتدافع، وتتداخل. حشود تفني بعضها بعضاً أحياناً، وترخي بظلالها على بعضها. حشود تتعرَّض للسحب والدفع والتمديد. وفي بعض الأحيان، تستحيل إلى عنصرها الجوهري: وحدة بكسل. ويلحظ المرء أنه كلما سحبها أكثر، ازدادت درجة التمويه، فتتلاشى الحدود، وتصبح بحاجة للترميم.

يحتاج السطح لترميم ولإعادة تلوين. وتحويل وحدات البكسل إلى نمط هي عملية تستحضر فن النسج القديم، باستخدام مختلف أنواع الخيوط، من فسكوز وحرير وقطن وصوف. تتنقّل الخيوط عبر السداة واللُّحمة لتُدرِج وحدة البكسل على سطح جديد يُخلِّد اللحظة التي تظهر فيها الحشود من جديد، وهذا ما يجعلها سجاد عصرنا الحالي.

وبذلك، تكون الأرقام والعالَم الرقمي والرموز الثنائية المكوَّنة من صفر وواحد أكثر من مجرَّد نهج لحساب اللانهاية بشكل يدوي،"16 وتتحوَّل إلى إجابة احتياطية دائمة يتوجّب علينا استخدامها للإجابة على أسئلة مثل "ما هي خاماتكم في مجموعة رقص ميديا؟ وما هو موضوع أعمالكم وجوهرها؟"

قد نُجيب على تلك الأسئلة بمصطلح "رقمي" بمفهومه العام الكامن في العالَم الرقمي وأصابع اليد وعقدة النسيج وبياناتنا العائمة والمسح الضوئي ثلاثي الأبعاد للعثة وتحليل تطوُّر البلورات الكريستالية ووميض الدايودات الباعثة للضوء (LED) ودفقة نورها التي تحوِّل وحدات بكسل بيانية إلى وحدات تُشكِّل صورة. إذ نقصد بمصطلح "رقمي" مآلاته اللانهائية، وإيماءاته التي لا يمكن حصرها، وتحوُّلاته وانتقالاته. إنه الزيت والرمل والصلصال والخيط، إنه الجذوة الوقّادة لليالينا ونهاراتنا، إنه خامة عصرنا.

تتباعد المواد والوسائط وتلتقي، ومن ثم تُشكِّل على الأنسجة القديمة أنماطاً جديدة ذات دلالات، وكأنها أحد بحور شِعر مأثور مُقفَّى قادِم من العصور الوسطى، وكأنها "دوحة" شِعرية قديمة تصطدم بتحليل طيفي لصورة فوتوغرافية من القرن الحادي والعشرين لتولِّد داخل متحف وميضاً يمتدّ شعاعه إلى أفق مدينة اسمها الدوحة، فيُحاكي الضوء المنبعث منها، ويتلاعب بلغتها، ويتعقَّب تذبذبات مسارها المضطرب في العالَم.

TBC

من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)

أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

TBC

العمل التركيبي الضوئي الذي عرض على برج الدوحة من معرض "مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالِم أخرى" (2019)

أرشيف متحف: المتحف العربي للفن الحديث ، الدوحة

3.
فلنقرأ بعض "الدَّوحات" للدوحة وفي الدوحة.

طوال فترة معرض "تبقى عوالم أخرى" في المتحف العربي للفن الحديث، ظهرت إحدى الدَّوحات في بهو مدخل المتحف على شاشة عملاقة، بحيث تحوَّلت إلى إطار لمدخل المعرض. كانت تظهر الكلمات وتصطف لتَنظُم الأبيات ثم تتلاشى، وتُشكِّل الحروف أنماطاً ومعانٍ. يتحوَّل طيف الصورة إلى قاعدة تُكتب الدَّوحات عليها، بما ينطوي عليه ذلك من فِعل تأمُّل وتحليل. كما تظهر في القاعة الأخيرة من المعرض ثلاث دوحات أخرى قريبة من السيروسيت، بينما تلوح خامسة على قمة برج مطلّ على كورنيش العاصمة.

وهذه الدوحات الخمس"17 – التي تأخذ شكل خمسة أسطح مضيئة، أربعة منها تظهر على شكل شاشات من دايودات باعثة للضوء والخامسة محمولة على واجهة معمارية – تكتنز عوالِم أخرى من نصوص وأشكال أحرف وكهرباء، وكأنها عبارة عن توليفة من أمثال كهربائية أو أقوال مأثورة تحاوِل أن توثِّق حضورها في زمانها الخاص. تتشكَّل الكلمات والحروف ومن ثم تتفكَّك، متماشية مع تردد التيار الكهربائي، وتتراكب بحيث تُفسح المجال أمام التعبير عن عدة أفكار وتُتيح الفرصة أمام التلاعب بالكلمات، بحيث غالباً ما تتباين أو تتعارَض الكلمات مع القراءة الأولى أو المبسَّطة للنص.

قَصَائِدٌ "كَبِيْرٌ" نَظَمَهَا، وَ"رَحِيْمٌ" بَيْنَ النُّجُومِ وَجَدَهَا
وفِيْ الدَّوْحَةِ والمَّرِيْخْ رَقْصٌ اكْتَشَفَهَا

اقْرَأ دَوْحَةً فِي الضُّحَى وامْضِ مَعَهُ
فَعِنْدَمَا يُزْهِرُ رَقْصٌ يَشْتَهِيْ الزَّمَنُ بِذْرَتَهُ

بِالظِّلِّ وَالخَيَالْ يَبُوْحُ الشِّعْرُ مِنَ الأبْيَاتْ
لتُسْعِفَهُ الفَاصِلَة، فَرَقْصٌ خَانَتْهُ الكَلِمَاتْ

يَحْضُرُ رَقْصٌ إنْ أَخْفَقَتْ كُلُّ الحُلُوْلِ فِيْ الحُسْبَانْ
ليَنْظُمَ شَطْرَاً أَوْ اثْنَيْنْ مِنْ جُنُوْنٍ يَمُوْرُ بِالاتِّزَانْ

يَتَرَقَّبُ الرَّقْصُ مِنَ الزَّمَنِ الاخْتِمَار
فَأعْبَاءُ اليَّوْمِ يُبَدِّدُهَا القَادِمُ مِنَ النَّهَارْ

لا تُرى العلاقة التي نسبرها بين الحاضر والمستقبل كسرد مستقيم، بل كتوليفة من الأمواج متحدة المركز، وكأنها تَموُّجات أحدثها حجر سقط على صفحة الماء، وتلاشت رويداً رويداً، أو كسرديات مستقبلية مكنونة في عوالِم مستقبلية أخرى، عوالِم تسكن في أخرى. إنها حكاية العالَم، وعوالِم تتكشَّف تفاصيلها الآن، وعوالِم أخرى مقبِلة.

في حاضرنا مؤن للجميع، ومستقبلنا حافل بالبلورات الكريستالية والعث وأقمار الأقمار.

عسى أن تختمر كل أيامنا المستقبلية.

TBC

مجموعة رقص ميديا، "حميميةُ البصمات غير المحكية"، 2011. لقطة ثابتة من فيديو تحريك رقمي، 47 ثانية.  

TBC

مجموعة رقص ميديا، "مؤن للجميع"، 2018. لقطة ثابتة من فيديو عالي الدقة، 50 دقيقة. 

المصادر

1. عبارة "تبقى عوالِم أخرى" هي عنوان معرض مجموعة رقص، واستُخدمت للمرة الأولى خلال محادثة عبر تطبيق سكايب بين فناني المجموعة في دلهي ولورا بارلو في الدوحة في نوفمبر 2018.

2. "مؤن للجميع"، مجموعة رقص ميديا، 2018 [3 مقاطع فيديو، طباعة رسم كبيرة، 3 أنسجة مُحاكة تقليدياً بأسلوب "دوري"، رسومات نوافذ على فينيل، قطع أثاث عادية]. العبارة هي أيضاً اقتباس من جملة للكاتب جورج أورويل يصف فيها رؤيته لمستقبل العالم، في مقالته الطويلة "الطريق إلى رصيف ويغان"، دار نشر فيكتور غولانكز المحدودة، لندن، 1937.

3. تُنسب عبارة "كل شيء يحترق" إلى بوذا، من "موعظة النار"، التي ألقاها في "الخطب المتصلة من المدونة البالية". كما تَظهر العبارة كنص في فيلم "مؤن للجميع" (مجموعة رقص ميديا، 2018). ويستند نص العبارة إلى إعادة قراءة لترجمة إنجليزية قدّمها الراهب بيكو بودي "بكلمات بوذا: مختارات من خطب المدونة البالية" (سومرفيل، ماساتشوستس: منشورات الحكمة، 2005).

4. راجِع الرابط الإلكتروني https://www.mindat.org/min-934.html للتعرُّف على البيانات المعدنية عن بلورات السيروسيت. وحجر السيروسيت المُشار إليه في النص هو من مجموعة متحف ميم للمعادن والمناجم في جامعة القديس يوسف في بيروت. ابتكر بالاك جون جونوالا وستراتيس جورجيو من شركة ديزاين كولابوراتيف في لندن نموذجاً ثلاثي الأبعاد للسيروسيت بناءً على ملاحظات مجموعة رقص ميديا.

5. للمزيد من المعلومات حول عثة الفلفل وعلاقتها بالصناعة في مانشستر، راجِع "التصبُّغ الصناعي في عثة الفلفل"، بيسون بيتولاريا: مثال ممتاز للتطور الدارويني في العمل"، بقلم مايكل ماجيروس في «التطور: التعليم والتوعية". 2 (1)، 2009.

6. يجمع العمل بين مسح ضوئي ثلاثي الأبعاد لعثة الفلفل (تم تحويله إلى فيديو متحرِّك) وبلورة سيروسيت (تم تحويلها إلى هيكل معماري).

7. للاطلاع على تقرير عن الحفريات الأثرية التي أجراها السليطي لموقع محتمل لمستوطنة من حضارة وادي السند في قطر، يُرجى مراجعة مقال "اكتشاف روابط وادي السند في قطر" بقلم ك. ت. تشاكو، منصة قطر ليفينج.

8. نُشر ملخّص للبحث الأثري الذي أجرته بياتريس دي كاردي في قطر ضمن تقرير البعثة الأثرية البريطانية في قطر (1973-1974) الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد لصالح متحف قطر الوطني، 1978.

9. هذان البيتان مقتبسان من قصيدة غزلية نَظمها الشاعر الكشميري الأمريكي آغا شهيد علي في "غزل 1: إلى إدوارد سعيد" الذي نُشر لأول مرة في ديوان غزليات آغا شهيد علي "نادِني إسماعيل الليلة" (نيويورك: دار نشر دبليو. دبليو. نورتون وشركاه، 2004). استخدَمت مجموعة رقص ميديا البيتين ضمن ثلاثة مقاطع شعرية في عمل "صمتُ المترجِم (عَدَسيّ)" (2017)، (صور بطباعة عدسية على ثلاث ألواح، 56 × 93 سم لكل لوح). أما المقطعان الآخران فهما من أشعار روبندرونات طاغور وفيض أحمد فيض.

10. ران كوتش هو مَعْلَم جغرافي وجيولوجي فريد في التضاريس الساحلية لولاية غوجارات غرب الهند، إذ تغمره المياه في بعض المواسم، ويتحوَّل إلى أرض مالحة جافة في مواسم أخرى. وبالتالي فهو أرضٌ وماء في آن واحد؛ جزءٌ من بحر العرب، وجزءٌ من ساحل غوجارات في الهند.

11. تم تصوير فيلم "كوكب يدور حول محوره بدون إذن" (2018) خلال فجرين وليلة اكتمال القمر في ران كوتش خلال شتاء عام 2017، وهو نفس العمل المشار إليه في الفقرة الافتتاحية أعلاه.

12. تُعدّ لغة المالايالام من أهم اللغات المنطوقة بين بعض السكان في قطر. وقد قام حسين ك. بترجمة كافة نصوص معرض "تبقى عوالِم أخرى" إلى لغة المالايالام.

13. ترد قصة البحّار سندباد والحمّال وهندباد في "رحلات سندباد البحّار السبع" ضمن طبعة وترجمة أندرو لانغ لكتاب "حكايات ألف ليلة وليلة" (لندن: لونغمانز، غرين وشركاه، 1898).

14. "السفالية، أرجوزة ملاحية فلكية عن الملاحة العربية على سواحل أفريقيا الشرقية في القرن الخامس عشر" لأحمد بن ماجد، ترجمة إبراهيم خوري، والصادرة عن لجنة البحوث العلمية لما وراء البحار، كويمبرا، 1983. للمزيد حول ابن ماجد والسفالية، راجِع "الملاحة العربية في المحيط الهندي قبل البرتغاليين"، جي. آر. تيبتس (لندن: روتليدج، 2004).

15.عبارات تُشكِّلها عقارب الساعة في العمل الفني "كلما عندما يتوقّف القلب عن الخفقان لبرهة" (2011).

16. يتطرَّق عمل "حميميةُ البصمات غير المحكية" لمفهوم حساب اللانهاية بشكل يدوي.

17. نُظِمت الدوحات الخمس باللغة الإنجليزية وترجمها إلى العربية باسل جبيلي ولينا رمضان لتُشكِّل عمل النصوص الخاصة بـ "دوحات للدوحة" (2019).