السيرة الذاتيّة
كان مارسيل ساليناس، أو لوران مارسيل ساليناس كما عُرف خلال شبابه في مصر، عضواً رئيسياً في "جماعة الفن والحرية" في مصر وعضواً فاعلاً في "أتوليه الإسكندرية"، مجموعة من الفنانين والكتاب، وأتوليه الإسكندرية في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. هو الذي يُذكر اليوم بسبب نجاحه في نقل الأعمال الفنية الأصلية لفنانين مثل بابلو بيكاسو وسلفادور دالي وهنري تولوز لوتريك إلى مطبوعاتٍ حجرية، كان ساليناس ذاته رساماً غزير الإنتاج. بعد انجذابه المبكر إلى السوريالية في الأربعينيات وفترة قصيرة من الخمسينيات جرب خلالها التجريد، أصبح ساليناس مدافعاً قوياً عن نظرية أندريه لوت (1885–1962) حول وجود قوانين جمالية عالمية خالدة يمثل إليها جميع الفنانين والأعمال الفنية. وبحسب لوت، لم يمثل هذا النهج عودةً إلى نموذج الفن الأكاديمي السائد في فرنسا في القرن الثامن عشر، بل كان "أكاديميةً بدون أكاديميا"، وهو توجهٌ انعكس بعمقٍ في اهتمام ساليناس بالحضور ضمن أفق الحركات الطليعية الفرنسية في تلك الفترة، كما في تاريخ الفن على امتداده.
بعدَ أن نشأ في بيئة ثرية حررته من ضغوط كسب العيش، وجدَ ساليناس نفسه معدماً في باريس عام 1955، بعد الخسارة المفاجئة لثروات عائلته عام 1952 عقب انقلاب الضباط الأحرار (الثورة). في عام 1958، عمل ساليناس في الطباعة حجرية في عدد من أشهرِ الورشات في باريس، وخلصَ إلى الاعتراف به كخبير في الطباعة، ليحصل على تكليفاتٍ مرموقة. هو المولود في بلدٍ رفضه في نهاية المطاف، حيث نُظرَ إليه كفردٍ من نخبةٍ أجنبية من الحقبة الاستعمارية، عاشَ حياةً متنقلة بين الإسكندرية والقاهرة وبروكسل وباريس ومدينة نيويورك وسانت لويس بولاية ميزوري. كان ساليناس شخصاً محبوباً في الأوساط الفنية في تلك المدن، وقد نالَ الإعجاب لدقة ملاحظته ودعمه لأعمال أصدقائه. اختفت أو تضررت جزئياً مجموعات كبيرة من أعماله في واقعتَين. كانت الأولى عند انتقال والدته إلى منزل جديد في الإسكندرية، والثانية عام 1993 عندما غمرت المياه غاليري في ميزوري حيث كانت تخزن أعماله.
وُلد ساليناس في الإسكندرية في 17 يونيو 1913 لأم فرنسية الأصل هي جوليا سيمون، وأبٍ إيطالي المحامي مارسيل ساليناس-أغوستيني. في عام 1932، انفصل والداه، وتزوجت والدته من محامٍ يُدعى أبرامينو حزان، لتعتنق بعدها اليهودية بعد أن كانت كاثوليكية. نشأ ساليناس في بيئة ثقافية نابضة بالحياة في الإسكندرية، المدينة الثرية التي كانت تعج بالمغتربين خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. كان يتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، والإيطالية واليونانية والعربية قليلاً. عكس تعدد لغاته التنوع اللغوي الغني لمدينة ضمت أعداداً كبيرة من السكان الإيطاليين والفرنسيين والبريطانيين واليونانيين، كما دلت على تهميش اللغة العربية بين النخبة الاجتماعية.
في أواخر عشرينيات القرن العشرين، التحقَ بالمدرسة الثانوية في أكاديمية سانت كاترين الكاثوليكية الفرنسية، وقد شكل اهتمامه بالأدب بداياته في الساحة الثقافية. بين عامي 1927 و1929، شاركَ في إصدار مجلة مدرسته الأدبية "اللوتس Le Lotus". في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، انضم إلى المجموعة الأدبية والثقافية "إيسيه-يِيست"، وساهمَ في إصدار مجلة "آن إيفور". في نصٍ لافت نُشر في المجلة عام 1932، استشرفَ ساليناس برنامج جماعة "الفن والحرية" التي تأسست بعد سبع سنوات. دافعَ فيه عن ضرورة القطيعة التامة مع الماضي وتبني مجموعة جديدة من القيم، وحدد نيتشه وفرويد كملهمَين لهذه الحركة.
بعد تخرجه من المدرسة الثانوية في الإسكندرية، سافر ساليناس لدراسة القانون في جامعة إيكس مارسيليا بفرنسا، ثم عاد إلى الإسكندرية للعمل في مكتب محاماة زوج والدته. غير أنه وبحلول عام 1937، قرر ساليناس التخلي عن دراسة القانون والتفرغ للفن، رغم عدم تلقيه تعليماً رسمياً في هذا المجال. التحق بأكاديمية أندريه لوت الشهيرة في باريس، ودرس مع الفنان بشكل متقطع بين عامي 1937 و1939 في باريس وميرماند، وهي قرية في مقاطعة دروم جنوب شرق فرنسا، حيث أسس لوت أكاديمية ميدانية لطلابه عام 1926.
على الرغم من قلة الأعمال المتبقية من هذه الفترة، تبينُ كراسات الرسم المتبقية للفنان من أواخر ثلاثينيات القرن العشرين أنه كان يجرب أسلوباً تكعيبياً متأثراً بلوت، ومطبقاً إياه على مواضيع ومشاهد صادفها في مصر. في مراجعة لمعرض عام 1945 لفنانين من مدرسة باريس، أوضحَ ساليناس فهمه للتكعيبية كحركة فنية تُعطي الأولوية للخصائص "التشكيلية" للعمل الفني أكثر من علاقته بما يمثله. عكسَت رؤية ساليناس تعاليم لوت، التي تُحددُ فيها التركيبة الموحدة، عبر الشكل واللون. ربطَ لوت هذا الإحساس بالوحدة والعَظَمة - وهما سمتان أساسيتان للتركيبة الناجحة للزخرفة العربية: وهي مزيج إيقاعي من الخطوط المستقيمة والمنحنية التي تُشكل أساس العمل. استمرت هذه المبادئ في توجيه جزء كبير من أعمال ساليناس طوال مسيرته الفنية، وشذبت لوحات المناظر الطبيعية والعراة والطبيعة الصامتة التي عاد إليها لاحقاً.
بعد عودته إلى مصر، انخرط ساليناس في اثنتين من أهم المجموعات الفنية المصرية في تلك الفترة: أتوليه الإسكندرية (تأسس في يناير 1935) وجماعة الفن والحرية (تأسست في يناير 1939). وقد تجمعت حول أتوليه الإسكندرية مجموعة صغيرة، لكن مؤثرة، من الفنانين والكتاب، من بينهم الفنان محمد ناجي (1888–1956)، الذي كان قد التقى بأندريه لوت في باريس عام 1927 وتوطدت صداقتهما. من المرجح أن أهمية لوت بالنسبة إلى المجموعة وعلاقته الوثيقة بناجي قد أثرتا على اهتمام ساليناس بالدراسة على يد الفنان. شارك ساليناس في أنشطة الأتوليه حتى هاجر إلى باريس عام 1955. أقام الأتوليه أول معرض فردي له عام 1946. وفي العام نفسه، صمم أزياءً لعرضٍ مسرحي من إنتاج الأتوليه لمسرحية جان راسين "معطف المهرج إستير" على مسرح الحمراء بالإسكندرية. في العام الذي غادر فيه ساليناس إلى باريس، عَمِلَ في اللجنة المنظمة لمعرض "البورتريه في الإسكندرية في مجموعات خاصة" الذي استضافه أتوليه الإسكندرية وجمعية "الصداقات الفرنسية في الإسكندرية". كانت هذه الجمعية، التي تأسست قبل الأتوليه، مركزاً ثقافياً هاماً للناطقين بالفرنسية في الإسكندرية. استضافَت معارض وندوات لفنانين ومثقفين فرنسيين ومصريين في أوائل القرن العشرين، كما سهلت زيارات بعض الشخصيات الفنية المعروفة، مثل لوت، إلى المدينة. وقد شغل ساليناس منصب سكرتير الجمعية في أوائل خمسينيات القرن الماضي.
أول من تواصل معه ساليناس بعد عودته من دراسته مع لوت في فرنسا كان جماعة "الإسييست" وجماعة "الفن والحرية. وقع على بيان ديسمبر 1938 بعنوان "عاش الفن المنحط"، والذي وضع رؤية الجماعة لـ"فن مستقل" متحرر من إملاءات الأيديولوجيا السياسية أو التقاليد الأكاديمية. تأسست المجموعة رسمياً في يناير 1939، وأصدرت سلسلةً من المجلات والنشرات باللغتين الفرنسية والعربية؛ وساهم ساليناس في إصدار مجلة "دون كيشوت" الفرنسية التابعة للمجموعة (1939–1940). وبينما ضمت المجموعة فنانين يعملون بأساليب متنوعة، كان تأثير السوريالية البريتونية واضحاً في العديد من أعمالهم وفي منهجهم في تنظيم المعارض. وفي عام 1941، تعاون ساليناس مع مؤسس المجموعة، جورج حنين، لتنظيم المعرض الثاني للفن المستقل في القاهرة. أدهشَ المعرضُ زوارَه بتصميمه الذي يُشبه المتاهة والمُربك عمداً، وعناصره الأدائية، وأعماله التي تحدت فهم الزوار بمعظمهم للفن. فُسِر المعرض من قِبَل العديد من النقاد كنقدٍ طبقي أو "مناهض للبرجوازية". شملت مساهمات ساليناس في المعرض لوحات سريالية وما وصفه أحد النقاد بـ"الكولاج، والورق المُلصق، والمونتاج [التجميعات]". وعلى الرغم من انخراطه المكثف مع المجموعة، يبدو أن ساليناس قد أسقط هذه الفترة القصيرة نسبياً من التجريب الفني، مغفلاً معظم الإشارات إلى مرحلته السوريالية في الروايات اللاحقة لمسيرته الفنية.
بعد انتقاله إلى باريس، بدأ ساليناس في عام 1958 العمل في ورشة الطباعة الحجرية إمبريميري مورلو. كما أنجزَ نُسخاً فنية لــآرتيس وجان دي بونو وأرنو دي فيسغر في فرنسا. وفي الولايات المتحدة، عمل حفاراً لدى أسوشيتد أميركان آرتيستس وآرت أوف أول نيشنز وكوليكتورز غيلد وجون موراي بارتون أسوشيتس وإد ويستون غرافيكس. في عام 1974، بدأ التعاون مع جاك وكارولين سولومون لغاليريات "سيركل" للفنون الجميلة بصفة استشارية، حيث كان يوصي بالفنانين لعرض أعمالهم فيها، وقد استمر في هذا الدور لعقود.
تمثلت إحدى أبرز محطات مسيرة ساليناس المهنية في تعاونه مع اثنين من أشهر فناني القرن العشرين. ففي عام 1969، تواصلت معه دار النشر الفرنسية "إيديسيون سيركل دآر" ودار النشر النيويوركية "هاري أبرامز" لإنتاج مطبوعات حجرية لسلسلة بيكاسو المكونة من 29 لوحة زيتية على ورق مقوى مموج. استغرقَ إنجاز العمل ثلاث سنواتٍ، ولاقى استحساناً كبيراً من بيكاسو، وقد اختار ورثته لاحقاً ساليناس للإشراف على إنتاج عشرات المطبوعات الحجرية الإضافية. وبين عامي 1976 و1978، عمل ساليناس مع دالي لإنتاج مطبوعات حجرية محدودة النُسخ، مبنية على مجموعة من تصاميم بطاقات التارو التي كان دالي قد كُلف بإنتاجها من أجل فيلم جيمس بوند "Live and Let Die" عام 1973.
لفتَت موهبة ساليناس في فن الطباعة انتباه ورثة هنري تولوز لوتريك أيضاً. في عام 1974، كُلف ساليناس من قبل ج. روبرت ليشوفي - المؤسس المشارك لنقابة هواة جمع الأعمال الفنية في نيويورك - لإنجاز مطبوعات حجرية لثلاث لوحاتٍ لتولوز لوتريك من ضمن مجموعة متحف ألبي. وفي عام 1992، كلفت مؤسسة ورثة لوتريك ساليناس لإنتاج مطبوعتين حجريتين أخريين عن اللوحات، بما فيها لوحة "في المولان روج، الرقص" (1889–1890) الموجودة ضمن مجموعة متحف فيلادلفيا للفنون، ولوحة "المهرج تشا يو كاو" (1895) من مجموعة أوسكار راينهارت في فينترتور، سويسرا. في عام 1985، تلقى ساليناس تكليفاً من جاك شار، مدير الفنون الجميلة المحدودة في تشيسترفيلد، ميزوري، لتصميم مجموعة أعمال فنية تخليداً للذكرى المئوية لتمثال الحرية. أنتجَ سلسلةً من اللوحات التي صورت المهاجرين في جزيرة إليس، حيث مثلت كل لوحةٍ جنسيةً مختلفةً. في عام 1993، تضررت معظم أعماله المخزنة في الغاليري في تشيسترفيلد جزئياً بسبب الفيضانات. انتقلَ إلى سانت لويس عام 1995 للعمل على ترميم ما أمكن إنقاذه من أعماله، وتوفي في النهاية هناك عام 2010.
أمضى ساليناس معظم حياته يعيش ويعمل خارج مصر، وكان رساماً شغوفاً غزير الإنتاج. إلا أنه يُذكر اليوم بشكل أساسي لمشاركته في جماعة الفن والحرية في القاهرة، ولبراعته في إعادة إنتاج أعمال فنية فريدة باستخدام تقنية الطباعة الحجرية القابلة للاستنساخ.