خواطر لسيرة ذاتية ضياء العزّاوي

بقلم ضياء العزاوي

المشاركة مع صديق

تاريخ النشر: 2016، [تمت المراجعة في يونيو 2026]

السنوات الأولى

منذ الصغر كنت شغوفاً بالأعمال اليدوية، حيث اعتدت استخدام الورق المقوى لخلق أشكال متنوعة أو أستخدم السلك المعدني لعمل سيارات أتباهى بها أمام أطفال المحلة، وبين الحين والآخر كنت أحاول رسم بعض أفراد العائلة وسرعان ما أخذني الرسم إلى عملية نقل الصور من المجلات العربية وبشكل خاص المصرية. وفي المرحلة المتوسطة تعرفت إلى مكتبة المركز الثقافي الأميركي الكائنة وقتها في منطقة الوزيرية على شاطئ دجلة. كانت هناك فسحة من الحرية للاطلاع على مختلف المجلات والكتب ولعلّي في تلك الأيام بدأت التعرف إلى الفن العالمي وبشكل خاص الأكاديمي.

يمكنني القول إن البداية الفعلية لانصرافي إلى الرسم والتخلي عن هواياتي الأخرى باستثناء هواية القراءة، كانت عند دخولي المدرسة الإعدادية المركزية وتجوالي في مرسمها. كما كان تشجيع مدرس الرسم الأستاذ إبراهيم دافعاً رئيسياً لاستفادتي مما كنت أراه في المعهد الأميركي مع المواظبة على ممارسة الرسم الحر بتشجيع من العائلة، حيث رسمت حينها العشرات من الأعمال وكان الأستاذ إبراهيم يشرف على تصويب أية أخطاء قد تكتنفها.

جاءت عملية تأميم قناة السويس عام 1956 وتبعاتها لتشعل الشارع العراقي بالتظاهرات المؤيدة،"1 وكانت المدرسة الإعدادية المركزية ومدرسة الكرخ الثانوية الأكثر حدة في عملية المواجهة مع الشرطة، فقد بذلت الحكومة كافة جهودها لإخماد هذه الاحتجاجات وتبع ذلك احتجاز وسجن بعض التلاميذ وفصل بعضهم الآخر من المدرسة وكنت من بينهم.

بعد أكثر من شهر نظمت الحكومة زيارة للملك فيصل الثاني إلى مدرستي تعبيراً عن عودة الأمور إلى وضعها الطبيعي، استدعيت من قبل إدارة المدرسة للعودة للدراسة، لربما كان ذلك بإيعاز من مدرس الرسم حيث عرف عن الملك حبه للرسم وممارسته إياه. نتيجة لهذه الزيارة تسنت لي مقابلته في القصر الملكي بعد أن أهدته إدارة المدرسة عملي الذي أعجبه أثناء تجواله في المرسم.

يوم المقابلة، ذهبت مع مدير المدرسة إلى القصر الملكي، انتظرنا مع مدير الديوان لحوالي ربع ساعة. كان المدير خلالها يشتم من تظاهر وهو يحدجني بنظراته بين الحين والآخر إلى أن طلب مدير الديوان اتباعه. كانت غرفة الملك صغيرة ولا تحوي غير طاولة وكرسيين بسيطين للضيوف، استقبلني الملك وهو واقف وتحدث معي ببشاشة لبضع دقائق، لتنتهي المقابلة بعدها بوعد منه بإرسالي ضمن صفوف بعثة لدراسة الفن في الخارج حال إكمالي البكالوريا. وعند انصرافي منحني مدير الديوان ساعة وعليها صورة الملك وسط شتائم المدير وسخطه على المتظاهرين. جاءت ثورة تموز لتلغي الملكية ويتلاشى معها حلم السفر إلى الخارج "2.

ساعدني الممثل والمخرج إبراهيم جلال، الذي كان صديقاً لأخي الكبير مجيد والذي درس المسرح في معهد الفنون، في الالتحاق بكلية الآداب لدراسة علم الآثار. منذ الأيام الأولى تسنت لي فرصة الانضمام إلى المرسم الذي كان الفنان حافظ الدروبي مشرفاً عليه، والتعرف إلى الفنون القديمة عبر دراستي علم الآثار في الوقت نفسه، كان تواضع الدروبي ورغبته في خلق مناخ يسمح للطالب بقدر من الحرية أكثر ما شدني وعدداً من الطلاب للتواجد في المرسم.

لم يكد يمر زمن حتى بدأتُ بزيارة الدروبي بعد العصر في كلية العلوم، حيث كان يشرف على مرسم آخر، وكنت أساعده بين الحين والآخر في ملئ بعض المساحات في لوحات كبيرة الحجم واحدة منها عن مدينة بابل وشارع عشتار وأخرى عن معركة القادسية. في هذه الأعمال كان صديقه محمد علي المعروف في الوسط الآثاري باسم "عمو علي" مرجعه المعرفي وفي الكثير من الأيام ينتهي اليوم بالسهر في منزل الدروبي لساعات متأخرة.

بعد مرور عام من وجودي في كلية الآداب قررت دراسة الفن في معهد الفنون (القسم المسائي)، لم يغير هذا القرار علاقتي بالتعديلات على اللوحة. شارحاً لي قيمة التكوين الفني ووحدة عناصر اللوحة على الرغم من بروز تأثر واضح في لوحاتي بأعمال فنانين آخرين مثل فائق حسن، ومحمود صبري وكاظم حيدر. والذين اطلعت على أعمالهم عندما زرت معرض نادي المنصور عام 1956، حين كنت في السابعة عشرة من عمري. دهشت حينها بما شاهدت من تنوع في الأعمال المقدمة، وبعد أسبوعين من هذا المعرض أقيم معرض المرفوضات في قاعة اتحاد النساء العراقي كجواب على رفض لجنة التحكيم لمعرض نادي المنصور ضمت أعمالاً عدة لنوري الراوي، وكاظم حيدر وآخرين.

شكّلت دراستي علم الآثار في السنوات الأولى عاملاً حاسما في تحديد توجهاتي الفنية، بالتوازي مع معرفتي بفن بلاد الرافدين على تنوعه، إلى جانب فنون المنطقة ومتروكات الفن الشعبي. كان من بين أساتذتي أهم الأسماء العراقية في حقل الآثار ومنهم طه باقر وفؤاد سفر وكلاهما قامتان موسوعيتان.

وقد دلني باقر على الأدب القديم مع تأكيد على ملحمة جلجامش، ونصحني حينها بشراء كتاب صموئيل نوح كريمر "من ألواح سومر" وما يزال هذا الكتاب بحوزتي حتى اليوم. "3 كل ذلك وفر لي مخزوناً معرفياً هائلاً، إلى جانب اطلاعي على الأدب القديم بملاحمه المعروفة، في الوقت الذي كان كل شيء يحيط بي في معهد الفنون بدءاً من المجسمات الرومانية وصولاً إلى دراسة تاريخ الفن الأوروبي بصيغة عمومية. هذه العلاقة جعلتني ميالاً للتجريب لا سيما أن غالبية أعمالي الأولى كانت مكوناتها وعناصرها مأخوذة من الفن القديم أو الشعبي.

في فبراير 1963 أسقط نظام عبد الكريم قاسم "4 بعد سنوات من الخصومة بين القوى السياسية والصراع على طبيعة النظام وتصاعد العنف في الأيام الأولى نتيجة المقاومة من القوى السياسية اليسارية ومؤيدي عبد الكريم، "5 وقد أدى ذلك إلى اعتقالات كيفية لمئات من المثقفين وقطاعات مهنية مختلفة وكنت أحدهم، حيث قضيت شهرين في السجن المركزي. أعدم عبد الكريم قاسم بعد مقاومة لم تدم طويلاً إلى جانب العديد من قادة الحزب الشيوعي "6 وشاع اسم قصر النهاية كمكان للتعذيب حيث قضى أخي مجيد شهرين فيه. كانت لهذه التجربة دلالات لها حضورها فيما بعد بمواقف غير حيادية إزاء ما يحيط بي من وضع سياسي معقد تجلت فيما بعد في أعمال ذات علاقة بالقضية الفلسطينية واستخدامها كنافذة للتعبير الحر المضاد للقمع.

المعارض الأولى

كان المعرض السنوي لجمعية الفنانين العراقيين الأهم في بغداد، وفي عام 1964 شاركت للمرة الأولى فيه بخمسة أعمال زيتية واختار المتحف الوطني للفن الحديث أحد هذه الأعمال، مما زادني حرصاً على تطوير تجربتي، وكنت قد فزت بتصميم ملصق المعرض نفسه. كان ملصق الفيلم العراقي "أبو هيله" الذي قام يوسف العاني ببطولته عام 1962 أول ملصق صممته، كان عبارة عن بداية تم تطويرها عبر اطلاعاتي على معرض الملصق الذي يقام سنوياً في وارسو،"7 وفي عام 1965 فزت بتصميم ملصق لمعرض بغداد الدولي، ومن يومها شكل الملصق أحد الروافد التي أغنت تجربتي وحاولت تعميمها عبر المشاركات دولياً ومحلياً مع حرص شخصي على أن تأخذ هذه التجربة مكانتها في الفن العراقي.

وفي فبراير عام 1965 أقمت معرضي الشخصي الأول في قاعة الواسطي الذي تم تأسيسه من قبل ثلاثة معماريين عراقيين هم محمد مكية، وسعيد علي مظلوم، وهنري زفوبدا. عبر هذه المجموعة حاولت معالجة مجموعة من الأفكار ذات المرجعية الثقافية الأقرب إلى دراستي الجامعية، ويتبدى ذلك في الموضوعات التي طرحتها سواء في هذا المعرض أم في المعرضين اللذين شاركت بهما هذا العام وهما المعرض السنوي لجمعية الفنانين العراقيين ومعرض جماعة الانطباعيين الخامس. وفي الوقت نفسه حرصت على تطوير اهتمامي بفن التخطيط الذي أعتبره أحد أهم العناصر التي أغنت تجربتي، ففيه تتبدى الحاجة إلى مخيلة حذرة قادرة على تحقيق موضوعات لا تساندها عناصر جانبية كاللون، حيث يبقى الخط بتنوع امتداداته أو تعرجاته هو الرابط الكلي للتكوين وهو المحرك الداخلي لغنى العمل المنتج.

وفي العام نفسه كان هناك أكثر من معرض شخصي لفنانين آخرين مثل رافع الناصري، وإسماعيل فتاح، وغازي السعودي، ومحمد مهر الدين، وسعاد العطار، وكاظم حيدر. هذه المجموعة من المعارض بما قدمته من أعمال هي في الغالب نتاج سنوات الدراسة خارج العراق وبالتالي جاءت بموضوعات واهتمامات فنية مغايرة كلياً لما هو سائد. وقد تجلى ذلك في أهم معرضين أحدثا ردة فعل كبيرة، هما معرض "ملحمة الشهيد" لكاظم حيدر ومعرض "الرسم والنحت" لإسماعيل فتاح."8 وقد فتح هذان المعرضان أكثر من غيرهما أبواب الحوار فيما يتعلق بمفهوم اللوحة وعلاقتها بالهوية المحلية تماشياً مع القدرة على مواصلة الانفتاح على ما اكتسبه هؤلاء الفنانون.

كنت في تجربتي محلياً بدرجة أكبر سواء في علاقتي بجيل الرواد فائق حسن وجواد سليم "9 نموذجاً أو بمعرفتي الفنية والجامعية. بينما وجدت فيما قدمه كاظم حيدر من أعمال ارتباطاً بالتقليد الشفهي والشعبي لمقتل الحسين، هو أقرب إلى توجهي الفني، وخاصة فيما يتعلق بمصادر ذات علاقة بالثقافة الوطنية، وعلى الرغم من عدم جدة الموضوع لديه، إذ سبق له أن قدم أعمالاً حملت التوجه ذاته في الخمسينيات بأسلوب ومنظور مغايرين لما جاء به بعد دراسته فن المسرح في لندن. إذ بدا واضحاً تأثيره عليه، بما استخدمه من إضافات لعناصر من الصناعات الشعبية الشائعة ولقد حقق عبر هذه المجموعة من الأعمال وحدة في الموضوع وتصاعداً درامياً للحدث المطروح وبالتالي حوّل فضاء المعرض إلى مسرح متخيل، من هنا اكتسبت مختلف الوحدات والعناصر التي استخدمها في هذه المجموعة خصوصية لم تغادر ما طرحه كاظم من أعمال فيما بعد.

هذا الارتباط لعناصر الموروث مع حداثة الرؤيا وتلك القدرة على الترابط بين العنصرين البصري والشفهي هو ما أعتبره إضافة ساعدتني على معاينة هذا التوجه والانحياز له إلى جانب اطلاعي على أعمال جواد بما لدي من معرفة بالتاريخ القديم للحضارات المتناوبة في العراق، قادني ذلك فيما بعد إلى الاهتمام بالفولكلور الشفهي وما يشيعه من عناصر تزيينية تتبدى في البساط الشعبية على تنوعها وإن كانت ما يعرف ببساط السماوة هي الأكثر مشاغلة لأفكاري في بناء تكوينات زخرفية تتداخل مع وحدات هندسية.

خلال هذا العام قُبلت في بعثة دراسية إلى بولندا للتخصص في الترميم الفني، إلا أن دعوتي للالتحاق بدورة الاحتياط العسكرية في سبتمبر من هذا العام منعتني من الالتحاق بها رغم كل المحاولات الشخصية. قضيت في بغداد ستة أشهر للتدريب ثم تم الفرز للالتحاق بالوحدات العسكرية في مدينة الموصل قضيتها بين مدن عقرة ودينارتة والشيخان. بقيت في الخدمة حتى أكتوبر من العام 1966. خلال هذه الفترة تم افتتاح معرضي الشخصي الأول في بيروت في غاليري واحد الذي كان يديره وقتها الشاعر يوسف الخال. بعد أن زار بغداد وشاهد معرضي الأول فيها دعاني لعرض أعمالي في بيروت.

بعد الانتهاء من دورة الاحتياط عملت بضعة أشهر مع البعثة الآثارية في موقع قصر الأخيضر العباسي القريب من مدينة كربلاء. وخلال عملي هناك نفذت العديد من الأعمال النحتية حيث توفر لي الكثير من الوقت لعمل منحوتات من الطين أولاً ومن ثم إنجازها بالبلاستر، تنوعت الأعمال بموضوعاتها وأحجامها، حيث كانت تصب ضمن الاهتمامات الثقافية ذات العلاقة بمراحل من الفن السومري.

عرضت هذه الأعمال في أبريل من العام 1967 ضمن معرضي الشخصي في قاعة جمعية الفنانين العراقيين حيث قدمت 29 لوحة زيتية، و20 عملاً تخطيطياً بعنوان "دراسة لملحمة جلجامش". عندما اطلعتُ على كتاب صموئيل نوح كريمر حول الأدب العراقي القديم ساقتني القراءة إلى ملحمة جلجامش حيث رسمت مجموعة من التخطيطات نشرت بعضها في مجلة "العاملون في النفط" والتي كان يرأس تحريرها جبرا إبراهيم جبرا. في هذه الرسومات من عام 1966 حاولت أن تشكل، كمجموعة، اختزالاً للتفاصيل وتأكيداً على قيمة التكوين الفني باستقلالية علاماته ورموزه واحداً عن الآخر مع ميل لاستخدام تقنية أحادية اللون كأرضية مثل الذهبي أو الفضي وتباينات في درجة اللون.

وفي فبراير عام 1968 أقمت معرضاً شخصياً في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث حيث قدمت أعمالاً زيتية وتخطيطية حمل القسم الأكبر منها عنوان "حكايات من ألف ليلة وليلة." تميّزت هذه الأعمال ببعدها عن الجانب التوضيحي واقترابها من استقلالية التكوين والتداخل بين حساسية الخط وبين العناصر التزيينية التي ضمتها هذه التكوينات. في المجمل شكلت الألوان المائية إضافة نوعية إلى جمالية العمل بكليته وخلقت ترابطاً بصرياً متميزاً في الوقت نفسه.

النص والصورة

كنت مولعاً بالقراءة بشكل كبير وبشكل خاص الرواية والشعر، قرأت السيّاب والبيّاتي ولم أكن بعيداً عن الجواهري. ولعل أول رسومات عن قصائد نشرت لي هي تلك الرسومات التي نفذتها لقصائد مظفّر النوّاب في ديوانه "للريل وحمد." تعرفت إلى مظفّر عام 1968 بعد خروجه من معتقل نقرة السلمان الصحراوي الذي ارتبط بتاريخ الحركة السياسية اليسارية. سمعت عنه الكثير من حافظ الدروبي حيث كان أحد الناشطين في مرسم كلية الآداب الذي أشرف عليه الدروبي، وكانت قصيدته "للريل وحمد" قد بدأت بالتداول بين المثقفين ومحبي الشعر.

بعد أشهر من تعارفنا، التقيت يوسف الصائغ وسعدي الحديثي ممن صاحبوا النوّاب خلال سنوات السجن، ضمن مناخ الانفتاح السياسي الذي أعقب نكسة 1967"10. شكل الثلاثة مناخاً اختلط فيه الشعر بالغناء وبروح فيها الكثير من التحدي لكل ما هو شائع اجتماعياً وسياسياً. كان الحديثي خريج الأدب الإنجليزي من كلية الآداب وذا اهتمام ومعرفة بالفولكلور والغناء الشعبي ومكانته المميزة كونه يجمع بين غناء قصائد مظّفر وبين نصوص شائعة في الأدب والغناء الشعبي وهو بهذا جمع، كمظّفر، بين المدينة والريف وبروح جديدة لتشكل هذه المزاوجة حديث الوسط الثقافي والاجتماعي البغدادي. وكم حاورت قصيدة مظّفر "حسن الشموس" قصيدتي يوسف "اعترافات مالك ابن الريب" أو "انتظريني عند تخوم البحر" بينما سعدي يرد عليهما بمختارات من البادية لا تذهب بعيداً عن كليهما.

طلب مني مظّفر بعد أن اقتنع بإصدار ديوانه الأول الذي يضم مجموعة من قصائده الشعبية تصميم الغلاف والرسومات بغية نشر المجموعة في بيروت، وقد أشرف على الإصدار الصديق المشترك إبراهيم الحريري. كان من الصعب أن أرفض طلب مظّفر ليس بحكم الصداقة وإنما بدافع التحدي الذي وضعني فيه: نصوص شعبية تعكس الوجدان الغني بالحب وروح التحدي السياسي، نصوص تقدم مناخات ريفية مضادة للمدينة غير أنها وبحكم لغتها الجديدة وما فيها من مخيلة تجمع بين الرسم والموسيقى لتتحول إلى كلمات لم يحلم البغدادي أن تكون ضمن قاموسه الثقافي."11

من هنا بدت لي المهمة أبعد من كونها مجرد عمل رسومات لنص شعري، فقد أغرقتني قصائده وأنا أقرأها للمرة الأولى بعوالم غاية في التنوع مخلفة مزيجاً استثنائياً لروح تدمغ كل مجالات الحياة. منذ رسوماتي لذلك الديوان ظل شغفي بنصه الشعري وخاصة التي سمعتها منه مغناة في سنوات تعارفنا الأولى ظلت معي، أسمعها بين الحين والآخر مغناة منه أو من سعدي الحديثي رغم كل تلك السنوات التي مرت. السماع لما له من قرابة روحية بالموسيقى تمنح المخيلة بعداً وفضاءً يبعد شكلية الرسم إلى جمالية تحفر مجراها في عمق النص، تجعله حميمياً مبهراً دون أن يفرض نفسه على حواسنا. إن مهمة التعامل مع النص الشعري مهمة تحددها في الغالب تقنيات الرسم.

أثناء قراءتي لكتاب مختارات من الشعر العربي فيما بعد جذبت انتباهي حكاية الشاعر وضّاح اليمن وما فيها من علاقة بين النص وبين الحدث اليومي، وبين الرواية وبين اختفاء الشاعر بشكل مجهول، إذ يروى أن هذا الشاعر كان جميلاً إلى درجة عالية قلّما توجد في عصره، وصل جماله إلى درجة أنه كان يلبس قناعاً لحجب جماله حتى لا يصبح عرضة لمعاكسات النساء، عشق حبّابة جارية الخليفة بعد أن شاهدها عندما كان في الحجاز فأحبها وتغزل بها علناً، وكان أن انتهى كما تقول الرواية التاريخية بوضعه في صندوق ودفنه حياً. هذه العلاقة بين الحب والموت، تتبدى أيضاً في العلاقة بين النص الشعري وجماليته وبين تبعاته في نهاية حياة الشاعر. هي التي حفزتني على تحويل الرواية وقصائد الشاعر للمجموعة التي سميتها "رسوم مكرسة للحب" وكان أول معرض يعتمد بأكمله على النص وقد أقيم هذا المعرض في بيروت أوائل السبعينيات.

رموز سومرية

من عام 1968 إلى 1976 اشتغلت رسمياً في دائرة المتحف العراقي، حيث كلفت بالإشراف على تهيئة المتحف الجديد لمدينة الموصل وعرض ما يتوافر من لقى وتماثيل من مدينة الحضر إلى جانب رصد مراحل مختلفة من الحضارة الأشورية ومنها مهمة استخراج أحد نماذج الثور المجنح المطمور في خرسباد. ثم كلفت بالعمل على تهيئة بناية الجمارك في العهد العثماني والتي حولتها مس بيل إلى مقر للقنصلية البريطانية في منطقة السنك لتكون متحفاً للمأثورات الشعبية وما توفر وقتها من مخلفات العهد الملكي. "12 وضمن هذه المهمة تجولت مع مجموعة من الموظفين في مناطق مختلفة من العراق لجمع نماذج من المأثورات الشعبية لتكون جزءاً من عملية عرض واقعي مثل مظاهر مختلفة من الحياة الشعبية، وفي هذه الفترة تعاونت مع الدكتور وليد الجادر لإنجاز رسومات لكتاب المأثورات الشعبية وقد نشر بعضها في مجلة التراث الشعبي.

صدرت مجلة التراث الشعبي عن وزارة الإعلام التي كنت موظفاً فيها، وقد شاركت في عددها الأول الصادر في العام 1968 بكتابة مقالة حول "أسطورة الطوفان" كما نشرت مقالة حول الوشم، وقد أنجزت بضع لوحات مستخدماً فيها الوشم كعنصر تزييني، وبعدها عن الحيوانات في التراث الشعبي، مستعيناً بالشكل الفخاري للأسد الذي كانت تنتجه في الستينيات مدينة طوز خورماتو وهو رمز غير مباشر للرجل في البناء الكلي للوحة.

استخدام أي عنصر فولكلوري أو عناصر حضارية أخرى يتوخى تحويله إلى تعبير رمزي يضيف إلى تكوين اللوحة نوعاً من الحوار الداخلي للعمل ويحرك فضاء الأسئلة حول تلك العالقة. وفي حالات أخرى يكون ذا بعد تزييني يرتبط بطبيعة الموضوع المعالج، حيث تم استخدام الوحدة المعمارية المعروفة شعبياً باسم "چار علي".

تداخلت فيها وحدات شائعة من الفن الشعبي لتحقق عملاً متكامل التكوين كما في العملين المقدمين عام 1965، "13 بينما استخدمت في اللوحة رمز الأمومة في الفن السومري كوحدة فنية تربط الموضوع في عام 1969. شكّل ذلك العمل جزءاً من مجموعة الأعمال التي عرضتها في معرضي الشخصي في بغداد، حيث قدمت لوحات زيتية متعددة مع أعمال تخطيطية القسم الأكبر منها حمل عنوان "من ملحمة الخليقة السومرية". عرض هذا المعرض بعدها في غاليري واحد في بيروت، ومن ثم في معرض سلطان في الكويت. في بيروت التقيت بالشاعر بلند الحيدري الذي حوّل شقته فضاءً للثقافة العراقية وكان مظفّر يقيم عنده بعد أن غادر العراق إبان توتر الظروف السياسية مرة أخرى. كان بلند محرراً في مجلة "العلوم" وبمناسبة المعرض نشر حواراً بيني وبين مظفّر واقترح أن نزور دمشق نحن الثلاثة، وهي كانت زيارتي الأولى إلى كلتا العاصمتين وعند العودة منع مظفّر من دخول لبنان لأسباب أجهلها حتى اليوم.

في معرض شخصي عام 1970 قدمتُ بالتعاون مع المتحف ومعرض سلطان لوحات وتخطيطات استخدمتُ فيها شكل النص وبينها لوحة تستلهم قصيدة حسن الشموس. وفيها على خلاف أعمالي الأخرى شكل النص المقروء حيناً أو المموه حيناً آخر ضمن مساحات تجمع بين الكتابات والإشارات التي توجد في أوراق الحرز وبين بروز كتلة الأشخاص الممثلين لسيرة القصيدة.

لعل هذ الميل لاستخدام الكتابة الحرة، لا الشكل الجمالي للحرف العربي فقط، هو محاولة للجمع بين النص المقروء وبين ما يوفره فعل القراءة من علاقة بصرية بين السمع وبين البصر، وهو توجه لإغناء اللوحة بترابط الحرف العربي مع الوحدات المتنوعة بصرياً إلا أن ذلك لا يكون غير جزء من تكوين العمل لا كليته.

الرؤيا الجديدة

بالعودة إلى الستينيات، عم ازدهار ثقافي متنوع، فالشعراء الطليعيون تمكنوا من تحطيم الشكل القديم للقصيدة العربية وظهرت أسماء جديدة. وفي الفن التشكيلي تربع فائق حسن على قمة تجربة مدهشة، وإلى جانبه نخبة من الفنانين الشباب دائمي التطلع إلى المعرفة الحديثة. وفي العمارة، أسهم رفعت الچادرجي وقحطان عوني وسعيد علي مظلوم وقحطان المدفعي بشكل فاعل في ازدهارها، لا سيما منتصف السبعينيات.

مع زخم هذه التحولات، توفرت لدى فناني هذه الحقبة أكثر من قاعة عرض مستعدة لاستقبال أعمالهم، بينما كان فنانو الخمسينيات محددين بقاعة "متحف الأزياء" أو جانب من قاعات "نادي المنصور". وفي العام 1962 افتتح المتحف الوطني للفن الحديث "كولبنكيان"، كما تأسست وبجهود شخصية قاعة "أورزدي باك"، تلاها تأسيس قاعة "الواسطي" منتصف الستينيات وقاعة "إيا" إلى جانب القاعات الخاصة بالمراكز الثقافية الأجنبية، ومنها "جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأميركية" وقاعات المعهد الثقافي البريطاني، المعهد السوفيتي، المعهد الفرنسي والمعهد التشيكوسلوفاكي. وقد ساعد توافر هذه القاعات وبشروط ميسرة في تعزيز النشاط الشخصي لفناني الستينيات. ومن مقارنة بسيطة لهذه النشاطات سنجد أنه قد أقيم معرض شخصي واحد عام 1956 مقابل 18 معرضاً في العام 1965.

تشكلت جماعة المجددين عام 1965 بروح منفتحة على التجارب العالمية وبمشاركة كل من علي طالب، وإبراهيم زاير، وعامر العبيدي، وسالم الدباغ، وطالب مكي، وصالح الجميعي، وفائق حسين، وسلمان عباس وآخرين. وما هو غير اعتيادي أن مجمل المشاركين كانوا لا زالوا طلاباً وهمهم الأساسي هو تناول ما واجهه جيل الستينيات ضمن المناخ السياسي المعقد وتداعيات تجربة عام 1963 السياسية وما تلاها من انفتاح سياسي وثقافي، إلى جانب ظاهرة تمثلت في تواجد بعض الأساتذة من الفنانين الأوروبيين. كل ذلك انعكس، كمثال، في التعاون بين جماعة المجددين وبين الشاعر مؤيد الراوي الذي كتب البيان الثالث لمعرض الجماعة. ولّدت هزيمة الجيوش العربية في الحرب مع إسرائيل عام 1967 رد فعل ساخطاً عبّرت عنه جماعة المجددين بمعرض ملصقات سياسية على قاعة جمعية الفنانين العراقيين.

أواخر الستينيات انتشر خبر عن مؤتمر للفنون يعقد في القاهرة، وفكرت في حينها أن يكون حضورنا فنياً فقط لأنني كنت على يقين من أن أية مشاركة فيه سوف تقتصر على تمثيل رسمي يتوزع بين وزارة الإعلام ومعهد الفنون الجميلة. بدأت المشاورات حول البيان الفني المزمع توزيعه على المؤتمرين في المطبعة. إلا أن المؤتمر تم تأجيله صدر بيان حمل عنوان "نحو الرؤيا الجديدة" ووقعت عليه مع كل من الفنان إسماعيل فتاح، رافع الناصري، محمد مهر الدين، صالح الجميعي وهاشم سمرجي.

عكس نص البيان الكثير من الإشارات التي تتناقض مع طروحات الجيل الأول من الفنانين العراقيين ومنها التأكيد على مسعى البحث عن هوية عربية لا عراقية كما أرادتها الجماعات الفنية العراقية السابقة وبشكل خاص جماعة بغداد للفن الحديث، مع التأكيد على النظر إلى التراث نظرة نقدية قابلة للتغيير وتطوير العلاقة بين الموقف الفني والموقف السياسي، وخاصة إزاء القضايا الوطنية.

وبشكل خاص القضية الفلسطينية وبروز التيار المقاوم فيها. لم نتمكن من إقامة معرض للمجموعة بسبب الخلافات الفنية المرتبطة بصيغة العرض، كان إسماعيل فتاح أول الرافضين للعرض، مع ذلك شكّل البيان مجالاً رحباً للحوار الثقافي والفني.

ضمن فعالياتنا الأولى، أقمنا معرض ملصقات في أبريل من العام 1970 باقتراح ودعم من الفنان ناظم رمزي الذي وضع في تصرفنا مكتب التصميم والمطبعة الحديثة الخاصة به. كان المعرض الأول من نوعه لفن الملصق حيث ضم جهوداً مشتركة وموضوعات متنوعة، سياسية، سياحية، تجارية وثقافية، في محاولة لتشجيع المؤسسات الرسمية والأهلية لاعتماد الأفكار المطروحة وتوظيفها في تطوير الجانبين الاجتماعي والثقافي.

شكّل فوزنا في انتخابات جمعية الفنانين العراقيين عام 1971 فرصة ذهبية لتحقيق الرؤيا الجديدة للمجموعة. لقد حاولت كسكرتير مع رئيس الجمعية إسماعيل فتاح أن نحولها إلى أنشطة تغني حركة الفن العراقي المعاصر وتضيف لها جملة من التحديات التي واجهت المثقفين بسبب الانفتاح السياسي. لقد عملنا بمهنية تجاوزت فكرة المعرض السنوي فقط والذهاب نحو تمتين العلاقة مع شتى روافد الثقافة العراقية.

منذ البدء، عملت مع الهيئة الإدارية على إقامة فعاليات ثقافية وفنية متنوعة بغية تحويلها إلى جزء من المناخ الثقافي العراقي والعربي حيث تم تنظيم قراءات شعرية لشعراء عرب وعراقيين مع ندوات حول الفن والمسرح العراقي، كما تمكّنا وللمرة الأولى وبالتعاون مع جمعية الفنون الكويتية من إقامة معرض للفن العراقي في الكويت. ضمن هذا المناخ أقيم في أبريل من هذا العام أول مهرجان للشعر في مدينة البصرة باسم "مهرجان المربد". وبهذه المناسبة أشرفت مع هاشم سمرجي على تنظيم معرض للفن العراقي ضمن فعاليات المهرجان المختلفة. واتفقت مع رافع الناصري وهاشم على إصدار ملصق شعري كجهد شخصي وهو الأول من نوعه في تاريخ الملصق العربي والعراقي وذلك بالتعاون مع ثلاثة شعراء عراقيين، اشتغلت مع يوسف الصائغ على قصيدة "اعترافات مالك ابن الريب"، وهو نص يتخذ من رثاء مالك ابن الريب وسيلة تاريخية لإدانة زعماء القبائل من المؤسسة الرسمية عبر مناخات الفدائيين الفلسطينيين خلال أيام سبتمبر الأسود. بينما تناول هاشم سمرجي قصيدة لبلند الحيدري، ورافع الناصري قصيدة لفاضل العزّاوي وطبعت الملصقات بتقنية الطباعة الحريرية وبنسخ محدودة.

إن قناعتنا بأهمية تطوير علاقتنا كفنانين بوسائل الإبداع على تنوعها، قد ترجمت بمشاركة فاعلة بين قسم التصميم في وزارة الاعلام إلى جانب فنانين من خارجها بتصميم العديد من الدواوين الشعرية التي صدرت خلال هذا العام، إلى جانب المساهمة في تصميم ملصقات لمواضيع مختلفة. كما صممت أغلفة مع رسومات داخلية لثلاثة شعراء هم بدر شاكر السيّاب، وعبد الرزاق عبد الواحد وشفيق الكمالي.

مهرجان الواسطي

حظينا خلال نشاطنا الثقافية والفنية بفرصة الالتقاء بوزير الإعلام شفيق الكمالي والذي كان له موقف سلبي جداً بعد فوزنا بالانتخابات وضمن هذا اللقاء اقترح أن ندرس إمكان تنظيم مهرجان فني يشابه مهرجان الشعر، كانت فرصة لا تعوض أن ننظم فعاليات تعرفنا إلى الفنانين العرب وسط غياب المطبوعات أو المجلات ذات العلاقة. قدمت باسم الجمعية مقترحاً تفصيلياً للمهرجان الذي حمل اسم "مهرجان الواسطي" تكريماً للفنان العراقي يحيى الواسطي "14 من القرن الثالث عشر، وحددنا أبريل من العام 1972 موعداً لإقامته.

لم يكن مهرجان الواسطي حدثاً عادياً بالنسبة لي وللمجموعة المشرفة على التنظيم، فقد خوّلنا الالتقاء ببعض من حضر من الفنانين العرب وبالتالي قيام علاقات شخصية ساعدتنا في إغناء فعالياتنا المستقبلية. كما وضعت التجربة العراقية في مكان متميز. افتتح المهرجان في أبريل 1972 بمعرض اعتبر الأكبر في تاريخ الفن العراقي عدداً ونوعية مما عكس المساهمة الجادة والمتميزة لمجموعة من الفنانين الشباب لا سيما أولئك الذين عادوا إلى بغداد عقب استكمال دراستهم في الخارج. كذلك صدرت على هامش المعرض مجموعة كبيرة من الملصقات تناولت موضوعات سياسية، فنية، وتاريخية بمشاركة ناظم رمزي، ورافع الناصري، وهاشم سمرجي، ومحمد مهر الدين، ويحيى الشيخ، وجودت حسيب، وخالد النائب وعامر العبيدي، وقد شاركت في تصميم ملصقين.

كذلك صدرت العديد من المطبوعات ذات العلاقة بالفن العراقي المعاصر عن الفنان الواسطي ومدرسة بغداد لرسومات المنمنمات. كما صدرت خلال أيام المهرجان جريدة يومية باسم الواسطي أشرف عليها كل من محمد الجزائري وهاشم سمرجي. وأفردت في حينها مجلة "إنتغرال" المغربية الصادرة باللغة الفرنسية أربع صفحات لمواكبة هذا الحدث العراقي الضخم.

وخلال هذه الأنشطة والحوارات بين الفنانين المشاركين عن فكرة تنظيم معرض كل عامين للفن العربي تمكنا من دفع التجربة من حدودها المحلية إلى مشاركات عالمية في بلدان أوروبية وعربية مختلفة. كنت ومعي العديد من الفنانين على قناعة كاملة بإمكان المساهمة الفعالة في تطوير العلاقات الاجتماعية وتكوين قاعدة ثقافية وفنية تسهم في تنشيط جيل الشباب وتوجيهه. وفي هذه السنة أممت الحكومة العراقية صناعة النفط ولاقى ذلك تأييداً جماهيرياً، وبدعم من مجلة "وعي العمال" نظمنا المعرض الأول للملصقات تحت نصب الحرية في ساحة التحرير احتفالاً بذلك. شاركت فيه إلى جانب فنانين آخرين، وقد صاحبت هذا المعرض قراءات شعرية لكل من يوسف الصائغ، وفاضل العزّاوي وشعراء آخرين. وقد تكررت هذه التجربة فيما بعد في أماكن أخرى كالبصرة، والنجف وبابل.

ارتبط هذا الانفجار الإبداعي بشكل من الأشكال بالظروف السياسية والثقافية وانفتاح المؤسسات الرسمية على التعاون مع الفنانين وحرصها على استخدام الملصق كوسيلة لتطوير المجتمع وتعميق انتساب المواطن إلى مجتمعه، مع توفر قدر من الحرية في التعامل مع الموضوعات المطروحة، حيث لم تمارس المؤسسة السياسية حينذاك وهي الداعمة المهمة لإصدار الملصقات أية ضغوط أو خلق إشكالات إزاء الأسلوب الفني المستخدم. إلا أن الظروف بدأت بالتبدل بعد مغادرتي منتصف عام 1976 حيث أصبح للتوجه السياسي حضور مؤثر مما حوّل الملصق إلى مجرد إعلان سياسي مغلق.

معرض السنتين للفن العربي

في ديسمبر 1971، حضرت ضمن وفد من الفنانين العراقيين المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة بدعوة من نقابة الفنون الجميلة السورية، حيث عرض الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط الفكرة لتأسيس اتحاد للفنانين العرب أمام أعضاء الهيئة الإدارية للنقابة، وقد رحب أعضاء الوفود المشاركة بالفكرة واعتبروا هذا المؤتمر في جلسته الختامية المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام، وتشكلت بموجبه أمانة عامة، قوامها رؤساء الوفود السبعة المشاركة وقد كلف إسماعيل شموط بمنصب الأمين العام للاتحاد.

عقد المؤتمر الأول لاتحاد الفنانين العرب في بغداد، أكتوبر 1973، ولكن لم تسنح لي الفرصة للمشاركة فيه نظراً لالتحاقي بالجيش للمرة الثالثة. واتفق أن تكون بغداد مقراً للاتحاد وأن يكلف الدكتور خالد الجادر بأمانته العامة وقد صمم هاشم سمرجي ومحمد مهر الدين ملصقان لهذه المناسبة. قدم الوفد العراقي مشروع معرض السنتين للفن العربي الذي تمت بلورته خلال مهرجان الواسطي، لمناقشته بشكل موسع من قبل الوفود وإقرار نظامه العام.

شكل معرض السنتين العربي الأول والذي افتتح في مارس 1974 في بغداد أهمية تاريخية لما وفره من فرصة الاطلاع على التجارب العربية المختلفة وما خلقته من نقاشات وحوارات بين الفنانين المشاركين من العراق، الجزائر، المغرب، قطر، الكويت، وجمهورية اليمن الديمقراطية. هذه الفعالية وما سبقها فتحت الباب للتعاون بين الفنانين العرب سواء كان على الصعيد الشخصي أو الجماعي، وكانت نتيجتها إقامة معارض مشتركة ومن خلال علاقتي بالفنانين المغاربة مثلاً نظم لي معرض "نظر" معرضاً شخصياً في الدار البيضاء عام 1976.

في العام 1976 أقيم معرض السنتين الثاني في الرباط وبسبب عدم تعاون الجمعية المغربية للفنون مع وزارة الثقافة لاختلافات فنية وإدارية، كلفت من قبل الوزير بالتواجد ضمن المجموعة المشرفة على تنظيم هذه الفعالية وخلالها انضم المغرب للاتحاد بشكل رسمي، وقد أصدرت وزارة الثقافة المغربية عدداً خاصاً من مجلتها "الفنون" تضمن مشاركات الدول المختلفة إلى جانب مقالات أخرى عن الفن المغربي والعربي بشكل عام.

أقيم المعرض في متحف الوداية "15 وبمشاركة من البلد المضيف وفنانين من تونس، والبحرين، والكويت، ومصر، وفلسطين، والسعودية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وقد شاركتُ في هذا المعرض بلوحة رسمتها في مُحتَرف محمد القاسمي في منطقة أكدال. لم تكن مشاركة الوفود على المستوى الذي عرفناه في المعرض الأول، إذ أصبح أكثر تمثيلاً للمؤسسة الرسمية وسط ضعف التجمعات الفنية في الكثير من الأقطار العربية.

فلسطين

منذ البداية كانت القضية الفلسطينية منطلقاً مهماً لجهودنا في تحقيق فن عربي. صممت عام 1969 غلاف العدد الأول من مجلة "شعر" العراقية ونشرت فيها رسومات عن مقتل فدائي عراقي التحق بالمقاومة الفلسطينية. لم يكن هذا العمل منفصلاً عما طرحناه في بيان نحو الرؤيا الجديدة من تضامن مع القضية الفلسطينية ومن دعم للمقاومة. عند حضوري المعرض الشخصي في بيروت عام 1969 تعرفت إلى غسان كنفاني الذي كان رئيساً لتحرير مجلة "الهدف" لسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأبدى رغبته في أن نتعاون في القسم الثقافي والفني للمجلة، وعند عودتي إلى بغداد تواصلت معه فيما بعد عبر نشر ما أرسلته من رسومات. بعد اغتيال غسان كنفاني في العام 1972 كلفت من لجنة تخليد غسان كنفاني لعمل رسومات تصاحب قصصه القصيرة ليتم نشرها ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، وكان لطبيعة القصص أثر في بناء تكوينات فنية أغنت تجربتي بفعل التحدي الذي واجهته في خلق مناخات ذات علاقة مباشرة بالنص.

إلى جانب ذلك نفذت العديد من التخطيطات باستخدام نصوص فلسطينية شعبية غنائية لم تنشر وهي التي قادتني للتفكير فيما أنجزته عام 1972 تحت عنوان "شاهد من هذا العصر" عن وزارة الإعلام العراقية معتمداً فيه على يوميات شهيد فلسطيني مع إضافات ذات علاقة بمناخ القتال في حينه منها أغاني أو بيانات عسكرية.

شكلت العلاقة بين العمل المرسوم والنص تحدياً من حيث التكوين الفني. حاولت إدامة العلاقة بين النص والرسومات لتشكل مونولوجاً داخلياً يتصاعد مع تنوع النص؛ الانتقال بين الخبر العسكري وبين الأغنية الشعبية التي يغنيها الفدائيون وبين نص اليوميات. وفي هذه الرسومات سعيت لتأكيد العلاقة الفنية والنفسية والابتعاد عن فكرة الرسومات التوضيحية بعينها، مع تباين في تأكيد الخط ضمن التكوين حيناً وبين الفضاء الرحب حيناً آخر. أنجزت الكتاب كعمل أصلي وتمت إضافة النصوص فيما بعد عند الطباعة، إلا أن النسخة الأصلية فقدت ولم يبق معي غير فكرة الغلاف كعمل أصلي وهو مغاير لما تم نشره.

فيما بعد كان اجتياح مخيم تل الزعتر في أغسطس 1976 من قبل الوحدات المسيحية حدثاً مأسوياً لازمتني جراحه أشهراً بسبب التغطية الصحفية المستمرة لهذه المجزرة. وكنوع من الرد على هذه المأساة ابتكرت رسومات باستخدام قصائد تناولت هذه الحدث البشع لثلاثة شعراء هم الطاهر بن جلون، ومحمود درويش ويوسف الصائغ، اعتمدت أيضاً على سماع تسجيل صوتي لممرضة اسمها صباح كانت تعمل في مستوصف ضمن المخيم وصفت دخول الجيش السوري. على خلاف ما أنجزته سابقاً من رسومات عن المقاومة الفلسطينية أردت أن يحدث هذا العمل تصاعداً درامياً يتناسب مع الموضوع كما أنني تخليت عن التأكيد على الحدث الفردي بصورة البطل كما في تجربة "شاهد من هذا العصر."

مغادرة العراق

بين عامي 1973 و1974 تسببت خدمتي العسكرية في الحد من نشاطي الفني ضمن الحركة الفنية العراقية، وبعد الانتهاء من الخدمة عكفت لأشهر عديدة على إنجاز مجموعة ذات علاقة بما عانيته خلال فترة إقامتي في وادي حرير. وفي عام 1975 أقمت معرضاً شخصياً في المتحف الوطني للفن الحديث لهذه المجموعة والتي عكست ظروف تواجدي في المنطقة الشمالية حيث المواجهات العسكرية بين القوات الكردية وبين الجيش العراقي.

وقد ضم المعرض أعمالاً تنوعت في تنفيذها بين ألوان الغواش على الورق وبين الأعمال الزيتية على القماش وإن كانت الغلبة للأولى منهما. حمل المعرض عنوان "حالات إنسانية"، وإن كنت في البداية ميّالاً لاقتباس بيت من قصيدة لفاضل العزّاوي "أنا الصرخة، أية حنجرة تعزفني." في مجموعة الأعمال مونولوج داخلي ذو علاقة بالموت يتبدى عبر بقايا إنسانية أو في التأكيد على حضور الصرخة ألماً أو احتجاجاً. استقبل المعرض بتغطية نقدية واسعة إلا أنها لم تسمي ما هو خلف هذا التبدل فيما عرف عني من اهتمام بالموضوعات الشعبية أو التاريخية.

كانت لتجربتي الأخيرة في الجيش القول الفصل في مغادرتي العراق، أتاحت لي فرصة التحاقي بالدورة الصيفية في سالزبورغ؛ لتعلم فن الحفر، مناخاً من الحرية في الاطلاع جعلتني على قناعة تامة بضرورة التخطيط لتنفيذ هذا الحلم. خلال شهر واحد أنجزت حوالي 16 عملاً منحت على إثرها الجائزة الأولى للدورة وبموجبها قضيت أسبوعين في روما للاطلاع على المتاحف الفنية، بعدها سافرت إلى الجزائر حيث شاركت وبصفة شخصية في المؤتمر الثاني للاتحاد في الجزائر، ولصعوبة حضور الوفد المغربي، اقترحوا أن أكون ممثلاً عنه.

بعد عودتي إلى بغداد قدمت طلباً رسمياً لإدارة المتحف العراقي الذي كنت موظفاً فيه للحصول على إجازة دراسية بغية السفر للخارج إلا أن طلبي رفض لأسباب أجهلها، عندها قدمت استقالتي رسمياً رغم عدم قناعة والدي بذلك، غادرت العراق في يوليو مباشرة إلى لندن.

بعد بضعة أشهر من مجيئي إلى لندن، قدمت طلباً للدراسة في الكلية الملكية للفنون التي تخرج فيها بعض ألمع الفنانين البريطانيين، وبعد المقابلة الرسمية والاطلاع على نماذج من أعمالي، سألني مدير قسم الرسم إذا أردت الحصول على ورقة أفخر بها أم أكون فناناً. أجبته أن أكون فناناً، أجابني في هذا الحال عليك أن تأخذ الأعمال لأن مستواك الفني أعلى مما ينبغي قبوله للدراسة.

بعدها بأشهر اشتغلت كمستشار فني في المركز الثقافي العراقي الذي افتتح جديداً وتفرغت خلال السنوات الأربع للإشراف على معارض متنوعة عراقية، عربية ودولية. لقد أسهم عملي هذا في تطوير علاقاتي العربية ومنذ البدء عملت جاهداً على تنظيم معارض بمشاركة فنانين عرب مختلفين منها معرض الجرافيك العربي عام 1978 وبمشاركة فنانين من مصر، المغرب، وسوريا، والكويت، والسودان، واليمن وتونس. في العام نفسه أقمت أول معرض لي في لندن في معرض "باتريك سيل"، وتنوعت الأعمال بين جديد أنجزته في لندن وبين أعمال جلبتها معي عند قدومي إلى بريطانيا.

أشرفت في العام 1979 على إقامة معرضين مشتركين لفنانين من المغرب، ومصر، والجزائر، والعراق وفلسطين، ثم فعاليات دولية بارزة، حيث شكل معرض بغداد للملصقات 1979 الذي أشرفت على تنظيمه تحت موضوعين هما فلسطين وحرية الرأي أحد أهم المعارض حيث أفردت له مجلة جرافيك السويسرية المهمة حوالي ثماني صفحات موثقة هذه الفعالية. شكّلت المشاركات الدولية حجر الأساس في المعرض، وقد نظم الافتتاح في لندن ثم نقل بعدها إلى بغداد كوسيلة لربطها بما يحدث من نشاطات فنية في العالم.

وفي العام 1980 استخدمت الفكرة نفسها حيث نظمت معرض فن الجرافيك للعام الثالث على التوالي، إيماناً بأن الحضور العربي لن يكون إلا ضمن المساهمات المشتركة دولياً. وقد شارك فيه فنانون من أميركا اللاتينية، وإفريقيا وآسيا إلى جانب مشاركات عربية مهمة.

وبعدها اشتغلت في مجلة فنون عربية لمدة سنة ونصف ثم تفرغت للرسم، كان مرسمي الأول واسعاً ويشغل جزءاً من البيت في منطقة "هاي غايت" وفي عام 1986 انتقلت إلى مرسم في المنطقة الصناعية المعروف باسم "وايب سيتي" لثلاثين سنة قبل أن اضطر للانتقال إلى المرسم الحالي في منطقة "بارك رويال"."16

الدفاتر

ضمن هذه السنوات شكّل الحرف العربي أحد أهم عناصر اللوحة، كونه عنصراً يتداخل مع إشارات ومساحات فارغة غالباً ما يحيط بالتكوين، هذه العلاقة بين الفضاء العام للوحة وبين تنوع شكل الحرف وتداخله مع أشكال تجريدية ذات ارتباط بالطبيعية أصبحت سمة خاصة للوحاتي مع تمايزات لونية صاحبتني طيلة تجربتي الفنية. نظرتي للحرف العربي لم تكن ضمن مفهوم الخطاطين التقليديين أو مجرد تهويمات ميتافيزيقية، بل تقوم على أساس إخضاعه لمتطلبات اللوحة بمفهومها الغربي عكس الفهم السطحي لفكرة الهوية التي تسخر التراث بتنوعاته بدون علاقة مع الحاضر الفني.

أتيحت لي فرصة الاطلاع على المخطوطات الإسلامية المختلفة في موضوعات متنوعة، ما رسّخ قناعتي بأهميتها فنياً وإمكانية تطوير عناصرها ضمن حضور فني حديث. لقد ابتدأ التحول الأساسي لعلاقتي مع النص مع إصدار مجموعة "المعلقات السبع" في العام 1978. نظراً لكونها جاءت أولاً كمجموعة مستقلة اعتمدت فيها على تقنيات الطباعة اليدوية، وثانياً لأن الأعمال كانت مخصصة للعرض، وليست رسومات توضيحية ترافق نصاً مطبوعاً في كتاب.

أثمر اطلاعي على التجربة الفرنسية الخاصة بمجموعة أعمال يتداخل فيها النص مع وحدات بصرية مختلفة مثل مجموعة ماتيس المسماة "جاز"، بالإضافة إلى اهتماماتي المتزايدة بالمخطوطات الإسلامية ذات النصوص العربية، حيث بدأت في العام 1983 بتنفيذ دفتر ذي نسخة واحدة تعاملت فيها مع قصيدة للشاعر يوسف الصائغ بعنوان "اعترافات مالك ابن الريب" محاولاً من خلالها الربط بين النص القديم والشائع جداً وبين الحدث التاريخي المعروف بـاسم "سبتمبر الاسود". كان عليّ الاقتراب من روح الشاعر الغاضبة وهو يمجد الفلسطيني القتيل وفي الوقت نفسه يخاطب العشائر بالتوقف عن قتل الفلسطينيين، جاعلاً من مخيم الحسين رمزاً للرفض.

وفي العام نفسه تناولت قصيدة "انتظريني عند تخوم البحر" للصائغ، محاولاً إيجاد تداخل حر بين سطور القصيدة وبين الرسومات التي تباعدت شكلاً وتداخلت بين أبيات الشعر لتنتج وحدة بصرية مستقلة عن مفهوم الكتاب الشعري. كنت قد رسمت هذه القصيدة عام 1971 ونشرت ضمن كتيب محدود الإصدار إلا أن أية مقارنة بين العملين تنحاز شكلاً لما رسمته فيما بعد، كون العمل يعكس تطور العلاقة بين وحدات التكوين بصرياً التي أصبحت ذات بعد ضروري لمنح النص روح الاستمرارية في تعميق المتابعة الروحية وتبدل مواقف الشاعر ضمن القصيدة بكليتها.

في عام 1988 كانت لدي عودة للدفاتر إذ هيأت 10 دفاتر ذات أغلفة سميكة وبحجم موحد، وخلال هذا العام أنجزت دفتراً بعنوان تحية إلى جواد سليم من أجل مشاركتي في معرض الكوفة في لندن، في هذا الدفتر الذي لم يعرض كما في المجموعة المطبوعة التي عرضت اشتغلت على استلهام أو تطوير موضوعات تناولها سليم. إلى جانب ذلك خمسة دفاتر للشعراء بلند الحيدري، ومحمد الفيتوري، وعبد الوهاب البيّاتي، وبدر شاكر السيّاب وصلاح عبد الصبور، وفي هذه الأعمال الخمسة تداخلت النصوص بوحدات تجريدية مأخوذة من الطبيعة أو بأشكال مستقاة من معاني النص مع التأكيد على وحدة الدفتر كعمل مستقل. أي أن الكلمة تأخذ مساراتها ضمن أشكال وعلاقات رمزية متداخلة ولقراءة الرسومات في هذه الدفاتر، يحتاج المرء إلى امتلاك القدرة على الإمساك بواقعية النص والشكل المرسوم على نحو متساو، أي أن معرفة الأبجدية وحدها لا تكفي القارئ/المشاهد، إذ عليه أن يتحمل العلاقة بين اللون والكلمة، وعليه اختبار الأشكال وتوزعها وتتابع النص.

اقترحت فكرة تنفيذ كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي على الشاعر المغربي محمد بنيس وتحمس لها فنشرنا كتاباً محدود النسخ باللغة العربية والفرنسية تحت عنوان "كتاب الحب" في عام 1994 وفيما بعد وأثناء زيارتي الأولى للبحرين بدعوة من جمعية الفنانين التشكيلين التقيت بالشاعر قاسم حداد فاقترحت عليه تفعيل صيغة للتعاون بتحقيق نص جديد عن مجنون ليلى، وكان نتيجة هذا التعاون إصدار كتاب محدود النسخ في العام 1996 حمل العنوان نفسه "مجنون ليلى." في كلتا التجربتين حاولت تأسيس علاقة تبادلية بين الرسم والشعر عبر تحدي إيجاد نص وشكل جديد ثم تطويره كمشروع ثقافي. إن القيمة المميزة لأي عمل فني ذي علاقة بالشعر أو بنص أدبي مختلف، هي أن يكون مستقلاً تماماً عن الموضوع الذي ألهمه على العكس مما ينتجه الرسامون الذين كان همهم التعبير عن حقيقة القراءة لا حقيقة البصر.

ومع منتصف التسعينيات أصبحت الدفاتر جزءاً أساسياً في تجربتي. وفي عام 1992 بدأت العمل على تحويل صناديق السيگار الكوبي إلى مجسمات بفعل الإضافة اللونية ومجاورتها للنحت، وقد شكّلت المساحة المحدودة والتغيرات التي أضفتها إلى كل صندوق على حدة مناخات مستقلة تضمن بعضها دفاتر شعرية صغيرة ترتبط بموضوعات مختلفة.

وبشكل عام فإن تجربة الدفاتر لازمتني وأخذت تتشكل وتتنوع في طريقة تقديمها والميل لإعطاء الشكل الخارجي أهمية بحيث يمكن تمييز بعضها عن بعض. بالنسبة للقصيدة، فإنني لا أرسمها، بل أحاول الوصول إلى عمل فني متكامل. عبر التعبير عن الظروف الإنسانية بطريقة بصرية غنية بالرموز والإشارات، بالتالي أجد أن الشعر أقرب إلى الرسم في غير جانب، لا سيما من ناحية القوة الإيحائية.

بلاد السواد

شكّل احتلال الكويت في العام 1991 نموذجاً صارخاً على الوحشية العسكرية ضد المدنيين والجنود على حد سواء، وقد عكفت على إنجاز أعمال كانت بمثابة يوميات توثيق لكل الآلام والدمار الحاصل وقتها، ولعل أشدها وقعاً على نفسي كان قصف ملجأ العامرية المكتظ بالمدنيين الأبرياء، والذي ظهر على شكل تسع رسومات أنجزتها بقلم الفحم تحت عنوان "بلاد السواد"، تيمناً بالتسمية القديمة التي أطلقت على بلاد الرافدين مع اختلاف التواريخ وطبيعة الأحداث، إذ أن هذه التسمية استخدمت قديماً للدلالة على خصوبة البلاد، وقد آثرت إعادة استخدامها في دلالة على الحزن والدمار وحجم المأساة.

كان واضحاً من خلال متابعتي لنشاط المعارضة قبل عام 2003 أنها كانت ميالة لنظام حكم طائفي عبر حرصها المستمر على رفض فكرة المجتمع المدني والدولة الليبرالية. مثّل الاحتلال فيما بعد أكبر برهان على رفض الدولة الديمقراطية وعلى خلق طائفة من السياسيين الفاسدين المؤيدين للنظام الجديد، متجاهلين ظاهرة الاغتيال المنظم لخيرة المختصين والخبراء في مجالات الحياة المتنوعة من قبل عناصر مجهولة وتدمير الموروث الثقافي والفني. كل ذلك حرّك داخلي حسّ المسؤولية الأخلاقية والفنية ودفعني لإنتاج أعمال مختلفة تشي بما حدث وما يحدث من الدمار الممنهج للمجتمع العراقي.

تعاون

في العام 1994 وفي لندن، تعرفت إلى الشيخ حسن آل ثاني، وكان وقتها يعمل على تجميع أعمال الفنانين المستشرقين، إلى جانب اهتمامه بتجميع أعمال تؤرخ الفن القطري والعربي عموماً. وما لبث أن قام بيننا تعاون، حيث نظمنا دعوات للعديد من الفنانين للمجيء إلى الدوحة وإنجاز أعمال كبيرة أو تنفيذ بعض الأفكار النحتية ومنهم الفنان إسماعيل فتاح على سبيل المثال.

توسعت شبكة علاقاتي بفعل هذا التعاون فكنت دائم التنقل بين الدوحة ولندن، وبدأت بتنفيذ العديد من الأعمال ذات الأحجام الكبيرة نظراً لتعذر تنفيذها في لندن. كما زاد اطلاعي واهتمامي عن قرب بالطبيعة القطرية وازداد تعمقي في ظواهرها، لا سيما "زهرة الصحراء" وهي عبارة تكوين حجري يأخذ أشكالاً تجريدية غاية في التعقيد والتنوع، أصبحت فيما بعد أحد أكثر العناصر القابلة للتطوير فيما نفذته من أعمال نحتية. كذلك استهوتني الأقمشة الشعبية والشائعة لدى نساء البدو واستخدمتها كعنصر أضفته إلى وحدات متنوعة في لوحاتي، وقد حققت عبر هذه الإضافات أعمالاً لها حضورها المعاصر من خلال مجاورة العنصر الشعبي مع التكوين الفني الحديث.

مع بدايات عام 2000، أخذ النحت الحيز الأكبر من وقتي وبمرور السنوات طوّرت تقنيات متنوعة كالبرونز، والبلاستر والخشب إلى جانب بعض المواد الصناعية، مثل مادة "البوليستر رزن" التي تعرفت إليها في عام 1978 واستخدمتها في إنجاز أعمال ذات أبعاد مختلفة، شكّل اللون أهمية بارزة في تطوير العلاقة بين الكتل المختلفة، في هذه الأعمال ظلت تقنية الرسم معي ضمن مفهوم اللوحة وإن كانت تصنف في هذه الأحيان ضمن مفهوم "فن المجسمات".

ولعل البداية الفعلية لإنجازي أعمالاً نحتية كبيرة كانت حين تم تكليفي من قبل المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة بمناسبة افتتاحه في 2010 بتنفيذ عملين نحتيين تم عرضهما إلى جانب أعمال أخرى لفنانين منهم فريد بلكاهية وأحمد نوار وإبراهيم الصلحي. وكلاهما تحت عنوان "الروح الجريحة"، أنتجتهما بواسطة جهاز التصوير ثلاثي الأبعاد للمرة الأولى، حيث تم نحت النموذج بالفلين المضغوط، وبعدها كسوته بالطين الصناعي ليكون جاهزاً للقالب الشمعي ثم صبه بالبرونز.

لقد اختصرت هذه الوسيلة الصناعية الوقت والجهد العضلي بشكل كبير ووفرت لي إمكانية التفكير بأعمال مستقبلية أخرى مثل العملين الكبيرين لمطار حمد الدولي في الدوحة تحت عنوان "الرجل الطائر" تمثيلاً لمحاولة العالم والشاعر الأندلسي ابن فرناس للطيران. كما حصل في تنفيذي مجموعة من الأعمال النحتية الكبيرة ومنها "حدائق بابل المعلقة"، "عربة الحواسم: لصوص" التي هي توثيق بصري وإدانة تاريخية لعملية النهب والتدمير الهمجي للمؤسسات الثقافية العراقية في عام 2003. وكتحية إلى الفنان الفلسطيني المبدع ناجي العلي الذي اغتيل في لندن منتصف الثمانينيات، حيث استلهمتُ عملاً نحتياً من إحدى رسوماته وعنوانها "صباح الخير يا بيروت" والتي نشرت في جريدة السفير البيروتية .

إشارة أخيرة

أعتقد أن الملامح الفنية لعمل ما بفعل الحدس لا المهارة التقنية، ومدى ارتباطها بمحطات وتواريخ متنوعة من الذاكرة الجمعية، ولعل أبرز ما يؤسس لهذا الترابط هو آلية البحث المعتمدة في التنقيب عن ذاكرة حضارة ما، بمعنى أنه ليس هناك صك ملكية في أيدي الشعب الذي تنبثق عنه هذه الحضارة، بل إن الحضور الإنساني المستمر فيها هو الذي يغنيها. وبالنسبة لي، فإن أي عمل أنجزه يستلزم مني المكوث على مسافة ما منه، تجنباً لأي تداخل عاطفي أثناء نسب العمل إلى تاريخه.

عنوان العمل يبقى أقل أهمية من العمل نفسه، فالبعض يشاهد العمل بالاستناد إلى عنوانه، بينما يهمني أن يكون أي عنوان بمثابة شرارة توقد لدى المشاهد جذوة الحوار مع العمل نفسه، ومع هذا فإن العنوان وحده لا يكفي للارتقاء بالعمل إلى مصاف الإبداع. هنا يأتي دور الحوار مع العمل الفني، بكل ما يحتويه من مسرة داخلية في متابعة الوحدات والأشكال ورصد عناصر الغنى في العمل الفني المقدم.

كذلك أجد أن التقاطع ما بين الشعر والرسم يحصل بخلق بعد روحي مستديم، وفي تأسيس فضاء قوامه تكثيف اللغة في النص الشعري وتبدلاتها مما يسمح لموسيقية اللون وتنوع الأشكال والعناصر المستخدمة بالبروز كوحدات بصرية هي في بعض الأحيان مفاتيح لتطوير العلاقة الحوارية وأحياناً لغلق هذا الحوار ورفض العمل كقيمة فنية. أما الاختلاف فيحدث عندما تكون هناك ضرورات أن تكون لغة النص وصفية مما يجعل من اللوحة شكلاً لا روح فيه. وبهذا فإنه بمقدار ما يكون النص الشعري تجريدياً في مضامينه فإن العمل الفني سوف ينفصل عنه ليكون وحدة تعبيرية مستقلة بذاتها.

المصادر

  1. عقب تأميم قناة السويس، شنّت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجوماً على مصر في محاولة لاستعادة السيطرة على القناة. لاقى هذا التحرّك — الذي تمّ بدون تفويض — انتقاداً عالمياً، وبالأخص من دول عربية أخرى والولايات المتحدة الأميركية.
  2. خلال خمسينيات القرن العشرين، أدى التضخم في تكلفة المواد الغذائية والسخط إزاء السياسة الخارجية للحكومة وقمع الحريات المدنية إلى معارضة واسعة للأسرة الملكية الهاشمية. وفي 14 يوليو 1958، قامت مجموعة ضباط بالإطاحة بالحكم الملكي وإعدام الملك وأفراد الأسرة المالكة، وبدأت عندها فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي.
  3. ترجمه للعربية طه باقر.
  4. استلم قاسم ( 1914 – 1963 ) الحُكم سنة 1958 كأحد القادة الذين شاركوا في الإطاحة بالحكم الملكي. حاول أن يجد خطاً بين الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يتمتّع بدعم شعبي كبير، وحزب البعث. وبفضل الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي أشرف عليها، تمتّع قاسم بشعبية في أوساط الفقراء والطبقة العاملة التي دافعت عنه خلال الانقلاب. قتلت قوات الجيش مئات المتظاهرين الذين ملؤوا الشوارع دعماً له.
  5. تمحور هذا الصراع حول علاقة العراق بالعروبة. اتّحدت سوريا ومصر سنة 1958 لتشكيل الجمهورية العربية المتحدة، وتعرّض العراق لضغوط كبيرة لدخول هذا الاتحاد. انقسمت البلاد إزاء القيام بذلك من عدمه، لكن الانقسام كان متعلقاً أيضاً بالأولويات السياسية، عما إذا كان التركيز يجب أن يتجه إلى الوحدة العربية أم الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.
  6. عقب الانقلاب، تحرّك حزب البعث للقضاء على الحزب الشيوعي العراقي. وبين فبراير ونوفمبر 1963 ، اعتقَل الحرس القومي، ميليشيات حزب البعث، كل من يُشتبه بأنه شيوعيّ. ورغم أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، انخرط العزّاوي في نشاط "اتحاد الطلبة العام" في جامعة بغداد ذو الميول المؤيدة للاتحاد السوفيتي، وكان من مؤيدي عبد الكريم قاسم، فقد أعدّ لافتات للمظاهرات التي نظّمها الاتحاد دعماً لقاسم.
  7. مجلة "بروجكت" (Projekt) البولندية التي تأسست سنة 1955، وصلت إلى بغداد بفضل الفنان البولندي رومان أرتيموفسكاي الذي درّس تصميم الجرافيك في معهد الفنون الجميلة في بغداد.
  8. سنة 1965، عَرَضَ كاظم حيدر أعماله في المتحف الوطني للفن الحديث، بينما أُقيم معرض إسماعيل فتّاح في قاعة الواسطي.
  9. التحق العّزاوي بمرسم فائق حسن في "معهد الفنون الجميلة".‏
  10. يُشير يوم النكسة (5 حزيران 1967) نهاية حرب الأيام الستة عندما سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية (التي كان قد ضمّها الأردن سنة 1948) وقطاع غزة (الذي تسيطر عليه مصر منذ حرب سنة 1948) وهو ما تسبب بتشريد الفلسطينيين.
  11. كانت المرة الأولى التي تظهر فيها المصطلحات العراقية العاميّة والمواضيع الريفية في أدب اعتبرته دوائر المثقفين حضارياً ورفيع المستوى: تمرّد عندها النواب على الأدب والتقاليد الاجتماعية، إلى جانب السياسية.
  12. يُشير العزّاوي إلى غيرترود بيل (1868–1926) المستعربة وعالِمة الآثار التي عاشت في العراق لعِقد على الأقل من حياتها. اضطلعت بيل بدور جوهري في نشوء العراق، وخدمت الملك فيصل الأول، وأسست أول متحف للآثار في بغداد.
  13. چار علي هو المصطلح الفارسي لاسم "علي" مكتوباً أربع مرات بأربع اتجاهات بحيث تتداخل الأحرف مع بعضها. وهو رمز واسع للشيعة، إلى جانب يد فاطمة وعين الحسد، التي تظهر كذلك في هذه اللوحات (ص 58).
  14. يعود تاريخ مخطوطته الشهيرة لمقامات الحريري إلى سنة 1237.
  15. حالياً، المتحف الوطني للحلي بالرباط.
  16. بسبب إعادة تنظيم منطقة وايت سيتي، وبالأخص المنطقة المحيطة بقناة "بادينغتون برانش"، توجّب على الفنان أن يترك في حزيران 2016 مرسمه الذي اشتغل فيه لأكثر من 30 سنة.

تم إعداد نص خواطر لسيرة ذاتية بناء على سلسلة مقابلات أجراها الباحث سليم البهلولي مع ضياء العزّاوي في مُحتَرف الفنان في لندن سنة 2016.